العدد 13 - دولي
 

لم يتأثر الرئيس الفنزويلي كثيراً بنتيجة الاستفتاء الذي أجري في أواخر العام الماضي على 69 تعديلاً دستورياً اقترحها هو ورفضها الفنزويليون بنسبة ضئيلة هي 50.7 في المئة مقابل 49.3 في المئة؛ فهو فضلاً عن أنه استهان بالنسبة التي هزم بها، استمع إلى قراءات أخرى أجراها مؤيدوه للاستفتاء، ولكل استفتاء أو اقتراع أو انتخابات أكثر من قراءة كما هو معروف. وترى هذه القراءة أن الاستفتاء قد أظهر معارضة الفنزويليين للتعديلات من خلال الامتناع عن التصويت أكثر مما كان معارضة للرئيس شافيز نفسه، وأن عددا من مؤيديه قد صوتوا ضد الاستفتاء من دون أن يعني ذلك أنهم انقلبوا عليه، كما أن عدد مؤيديه، ارتفع بحسب تلك القراءات عما كان عليه عندما أعيد انتخابه في كانون الأول 2006.

وإن كانت تلك «نكسة» كما أسماها هو نفسه «للثورة البوليفارية»، وهو الاسم الذي أطلقه على ثورته، فإنه أعلن انتصاراً آخر حين نجح في مطلع العام الجاري في إطلاق سراح رهينتين خطفتهما منذ سنوات القوات المسلحة الثورية الكولومبية، وهي حركة يسارية تعمل لقلب نظام الحكم في كولومبيا المجاورة لفنزويلا منذ عقود، وتحتفظ بمئات من الرهائن الذين تبادلهم بأسراها لدى الحكومة اليمينية في بوغوتا المدعومة من واشنطن التي تمول «حربها على الإرهاب».

ومن خلال شخصيته أدى شافيز دوراً إعلامياً مبهراً في عملية إطلاق سراح الرهينتين، إذ حولها إلى «عرض» شارك فيه الرئيس الأرجنتيني السابق نستور كيرشنر والمخرج السينمائي المعروف أوليفر ستون، ولم ينس شافيز أن يدلي بتصريحات طالب فيها الرئيس الكولومبي اليميني ألفارو أوريبي بالنظر إلى القوات المسلحة الثورية الكولومبية وحركة (إي إل إن)، وهي حركة أخرى مناهضة للحكومة الكولومبية على أنها حركة ثورية وليست إرهابية.

غير أن عرض إطلاق سراح الرهينتين انتهى، وبقيت نتائج الاستفتاء تلقي بظلالها على شافيز ومستقبله السياسي، فبحسب قراءات أخرى ليست بالضرورة مؤيدة لشافيز، انتبه كثير من المعلقين إلى أن القوة الدافعة وراء هزيمته في الاستفتاء كانت الطلاب، وهم قوة تجمع عنصري الشباب، أي المستقبل، والتأثير الراهن من خلال استجابتهم السريعة ودينامية حركتهم والحرية التي يتمتعون بها، فالجامعات ما زالت تحتفظ بهامش كبير من الحرية الأكاديمية، فضلاً عن أنها غير مهددة بإجراءات المنع مثل محطات التلفزيون الخاصة، ففي العام الماضي قامت تظاهرات عارمة احتجاجاً على عدم تجديد رخصة محطة(RCTV).

هنا أيضاً كان الطلبة هم المنظمون للاحتجاجات، وليس أحزاب الطبقة الوسطى التي ترهلت تاركة المجال للأحزاب والاتحادات، بما فيها الاتحادات الطلابية، والجمعيات والنقابات المؤيدة لشافيز، والتي يسعى شافيز إلى دمجها في ائتلاف واحد للعمل في الساحة السياسة التي لم تكن يوماً مفتوحة للعمل مثلما هي اليوم. وهذه الأحزاب والهيئات تمتلك قوة لا يستهان بها في مواجهة الجبهة المعارضة لشافيز والتي يقودها الطلبة.

وبشعبويته التي حقق من خلالها لفنزويلا عدداً من الإنجازات التي لا يمكن إنكارها مثل: إفساح المجال أمام الطبقات المهمشة للمشاركة السياسية، وهو ما جعله يطلق على "ديمقراطيته" اسم "الديمقراطية التشاركية". ولأول مرة تنطلق فئات مثل الناشطين في مجال البيئة وحقوق المواطن والمجموعات الإثنية الأصلية، وتعمل من خلال منظمات مثل المجالس المجتمعية والجمعيات الثقافية، ولأول مرة تسيطر الدولة ممثلة بالرئيس على عوائد النفط التي كانت تتحكم فيها شركة (PDVSA) التي كانت بمثابة دولة داخل الدولة، وخاض شافيز أول معاركه ضدها. كما أنه قدم رعاية صحية لملايين المهمشين والفقراء.

وفي المقابل، فإن معارضي شافيز ينظرون إليه بوصفه رئيساً شعبوياً في طريقه إلى الدكتاتورية من خلال: استيلاء النظام الذي يديره على جميع مظاهر المجتمع المدني، ومنعه لأي صوت انشقاقي وإحاطة نفسه ببيروقراطية معظم أعضائها من زملائه العسكريين السابقين.

ويركز آخرون على جانب مجهول من الفساد عند شافيز هو المحسوبية والقربوية، فيشيرون إلى أن عائلته الفقيرة أصلاً قد اغتنت في عهده من خلال الأموال والممتلكات العقارية الكبيرة التي استولت عليها، وكذلك من خلال توظيف أقاربه في مراكز حساسة؛ فشقيقه آدان هو وزير التعليم، ووالده حاكم ولاية، واثنان آخران من أخوته يشغلان مناصب حكومية رفيعة.

غير أن ورقة القوة الأكبر عند شافيز هي في خصومه، ومعظمهم من الفاسدين الذين تآمر عدد منهم ضده في الانقلاب الفاشل عليه والذي رعته وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وصفقت له صحيفة مثل نيويورك تايمز في العام 1992. وعلى المستوى الخارجي فإن بلداً مثل الولايات المتحدة بسياستها العدوانية ورعايتها للنظم اليمينية وشبه الفاشية في أميركا اللاتينية وخارجها تفتقد أي نوع من الصدقية في عدائها المعلن له. الطلبة فقط بين قوى المعارضة المختلفة تمتلك الصدقية، وهم شكلوا هاجساً لدى شافيز الذي شن عليهم هجوماً عنيفاً ووصفهم، بعيد هزيمته في الاستفتاء، بأنهم «أطفال بيض أثرياء مفسدون، ودمى في أيدي الإمبريالية.» وإن كان هذا الوصف يدخل في باب المناكفة، فإنه قد أعلن في أحد خطبه العديدة التي يلقيها من التلفزيون تحت عنوان «حال الأمة» على الطريقة الأميركية، أنه سوف يعمل على «تحييد» ثلاث جهات هي: الإعلام، والكنيسة، وطلبة المدارس والجامعات.

فنزويلا شافيز: الثورة البوليفارية في مواجهة الطلبة
 
14-Feb-2008
 
العدد 13