العدد 2 - ثقافي
 

قيل في آخر رواياتها "تاء الخجل" إنها "ليست مجرد رواية عن الإرهاب الذي يقع على الأبرياء باسم الدين، وإنما هي رواية عن المرأة الجزائرية التي لا تزال تعاني - كالمرأة العربية - القمع والتمييز في مجتمعات ذكورية متسلطة، تعلن غير ما تبطن، لا تكف عن النظر إلى المرأة بصفتها عورة أو كائناً أدنى قيمة من الذكر". وقد يصدق هذا القول على أكثر الأعمال القصصية التي أصدرتها فضيلة الفاروق بعد أن انتقلت للعيش في بيروت عام 1995، وبدأت بنشر إسهاماتها في الصحافة اللبنانية: "لحظة لاختلاس الحب" مجموعة قصص (1997)، ورواية "مزاج مراهقة" (1999)، و"تاء الخجل" (2003)، و"اكتشاف الشهوة" (2006).

* توغلين في التحرر المفرط والوصف الحسي في كتاباتك،. كيف تفسرين ذلك؟

- أستغرب من مجتمعاتنا العربية كيف تقبل أن يمارس رجالها ما يمارسونه في بيوت مشبوهة، أو في الفنادق، أو في الشقق المفروشة مع فتيات هوى من كل نوع وبأسعار مختلفة وجنسيات مختلفة ويرفضون أن نكتب عن الجنس بحبر على ورق؟ فظاعة هذا المجتمع ؟ فظاعة!! هذا أقل ما يمكن قوله. وعلى كل ما كتبته أقل بكثير مما تنقله بعض الفضائيات وبعض المواقع على الإنترنت والتي يشاهدها المراهقون بدون رقابة.. ما أصفه في الحقيقة وبهذه الصراحة كان من أجل أن أبين عذابات المرأة العربية، التي تتزوج رجلاً يتعلم أشياء عن ممارسات خارج مؤسسة الزواج. ما طرحته هو ما المشكلة في رجالنا لا في في نسائنا.

* تركزين كثيرا على التحرر الفردي، هل ترين ان تحرر المرأة يبدأ من هنا؟

- عليّ أن أشرح لك بالضبط ما أعنيه. طيلة قرون والسلطة الذكورية تتحكم فينا كنساء، نزوج بالقوة من رجال لا نحبهم، يختارون لنا ثيابا تناسب أذواقهم، يختارون مقاسات لأجسادنا، يغيرون المقاسات كل سنة أو كل سنتين، وحتى في الحياة الحميمية يمارسونها حسب طقوسهم، على كل هذه الأشياء أن تتوقف وتنتهي وتعي المرأة أن أغلى ما لديها في الحياة هو كرامتها وجسدها عليها أن تحافظ عليه وتدافع عنه، ومتى تريد أن تحبل ومتى ترفض، وتختار الشريك المناسب لها الذي يحترمها. وعليها قبل كل شيء أن تتعلم كيف تقول " لا" إنها بداية الطريق إلى الحرية، هذا هو مفهومي للحرية ولا أدري إن كانت نساءنا على قدرة لاستيعابه أو أنهن سيصغين لقلوبهن ولأصوات الرجال الذين يلهثون وراء أجسادهن بأرخص الأثمان.

* لكنك في رواية: "اكتشاف الشهوة" جعلت بطلتك تعيش حالة من التشتت والتوتر..

- في الحقيقة لم أخترع شيئا، المرأة العربية ضائعة منذ قرون، ولم تهتد بعد إلى طريقها. بعض التجارب تقول إن التحرر لم يمنحها الكيان الذي تحلم به، وبعض التجارب الجديدة تقول أن التدين قد يمنحها ما تحلم به، ولكن على أرض الواقع النساء مسكينات، مطحونات، مستعبدات،مسيرات لا مخيرات، يعشن في عالم الرجل ويتقبلن مرغمات حروبه وصراعاته وأنانيته، بل الأنكى من ذلك أنهن يدفعن ضريبة غالية نتيجة كل سلوكاته المتطرفة. أحب أن أقدم نماذج ناجحة للمرأة العربية ولكن نماذجنا الناجحة لا تعالج متاعبنا، فكلما قدمنا نماذج ناجحة قيل لنا أنتن بخير ونحن الرجال بحاجة لمن يطالب بحقوقنا، إذن علينا أن نكتب عمن يتألمن ويتوجعن ويتعذبن ليروا جميعا حقيقة حياتنا في هذا المجتمع.

* في نهاية "تاء الخجل"، أجريت حواراً ما بين الكاتبة وفتاة محجبة ، تظهرين فيه رضا هذه الفتاة عن الرواية، هل فعلت ذلك للقول إن هناك شريحة من النساء يوافقن على ما كتبت؟ وهل كنت متشككة عندما أقدمت على كتابة هذه الرواية؟

- ولماذا أتشكك أو أخاف. أنا امرأة مسلمة وأفتخر بإسلامي جدا ًوأعتز به، إن ديننا هو الدين الوحيد الذي أهتم بتفاصيل الحياة الدقيقة. في الحقيقة أحب أن أبين نقطة مهمة وهي أن الرجال دائما يقررون عنا، هناك دول تحجب النساء بالقانون وهناك دول تمنعهن من التحجب بالقانون أيضا هناك من يلزمنهن باللون الأسود وهناك من يلزمنهن باللون الأبيض، ألا يبدو هذا غريبا نوعا؟ لماذا لا يهتمون بأمورهم ويتركون المرأة بحالها، هل النساء كتيبة حتى يلتزمن بزي واحد؟ أما تلميحي الأخير فكان لهدف آخر، وهو أن مجتمعنا يظلم المرأة المتحجبة أكثر من غيرها، وكأنها يجب أن تكون ملاكاً منزلاً من السماء. لقد لمحت ذلك في إحدى المكتبات حين تناولت سيدة متحجبة كتابا لكاتبة جزائرية أسمها "مليكة مقدم"، فرمقها صاحب المكتبة وقال لها "كيف تقرئين لهذه الكاتبة وأنت متحجبة؟" استغربت جداً منه هو من يعرض الكتاب للبيع، ولكنه يرفض أن تقرأه السيدة المتحجبة،. الرجل نفسه إقتنيت من عنده عدة كتب جريئة لكتاب جزائريين يكتبون باللغة الفرنسية ولم ينبس بكلمة، كان مظهري كإشارة "ستوب" أمامه لم يمنح له ذلك الحق الذي شعر به تجاه المتحجبة. لو كنت أخاف من الناس لأذعنت لإعلانات التهديد التي كانت تحذر كل امرأة سافرة من الذبح إن لم تخضع لأوامرهم تتحجب.

* إذن، كيف ترين العلاقة بين الكاتب وواقعه؟

- فيما يخصني، أرى الكتابة والواقع ملتصقين جدا، ولا يمكن أن أفصل واقعي عن نصوصي. أكتب من الواقع وأقدم نصي لهذا الواقع، بالنسبة لغيري يصعب تحديد هذه العلاقة، فكل له طريقته في التعامل مع هذا الواقع. هناك كتاب الطبقة المخملية الذين يسافرون إلى العواصم الأوروبية والعربية الغنية في الدرجة الأولى ويقطنون في فنادق خمسة نجوم ويكتبون للناس من أبراجهم العالية، وهناك من يعيش درجة ثالثة في أحياء شعبية، ويرتاد مقاهي شعبية، وينقل عذابات المجتمع. هناك أيضا من يصنع عالمه الخاص له وكأنه نزل من كوكب آخر ويضع حاجزاً بينه وبين المجتمع. الكتّاب يا سيدتي أنواع كما القرّاء، كما أهل الفن، كما التجار، كما الناس...! أنا أحب الحياة البسيطة، أحب الشوارع المكتظة بالناس، أحب القرى، وأعشق قريتي آريس التي أصبحت مدينة،ومع هذا فإنها تعشش في ذاكرتي كما تركتها منذ 21 سنة. وحتى في لبنان، أعيش في ضيعة صغيرة وأزور بيروت مرة كل أسبوع أو أسبوعين. البساطة هي الفضاء الذي يناسبني.

* عندما يهاجم أحدا كتاباتك هل تعتقدين أنه يفعل ذلك لأنك تكتبين بجرأة، ام لأنك امرأة فقط؟

- عادة من يهاجمني بحدة هم أولئك الذين لا يتحملون كتابات النساء عموما ويشعرون أن نجاحنا سبب لهم أزمة أو أعادهم للوراء قليلاً أو أننا أخذنا مكانهم الذي يستحقونه هم....اليوم وخاصة في الثلاث سنوات الأخيرة أثبتت المرأة أن دفة السرد دفتها وأنها نجحت كروائية وكسرت تابوهات كثيرة وكتبت بلغة شفافة وجميلة تفوق لغة الرجل شاعرية... وهذا يزعج الكثيرين. هناك ايضا من يجد جرأتنا خروجا عن التقاليد يحاكمني في الحقيقة: اللص والزاني والسكير والكذاب والمنافق... وكل أولئك الذين يسمحون لأنفسهم بممارسة المنكرات في الحياة يزعجهم أنني أكتبها على ورق ويقرأها كل الناس، بشكل ما يظن أن الناس عرفوا حقيقته من خلال نصي.

فضيلة الفاروق: على المرأة العربية أن تتعلم قول "لا" – حاورتها عزيزة علي
 
15-Nov-2007
 
العدد 2