العدد 63 - حريات
 

«قدّم استقالتك « ،» الأُوفر تايم إجباري ،» «بضربك إسفين « ،» بَعدَك صغير في المهنة »، وغمز ولمز وكلمات أخرى يسمعها الفرد أو يتعرض لها أو يقولها في ظل ضغوط العمل، حين يبدو الشخص جزءاً من العملية الإنتاجية، إلى جانب أدوات الإنتاج ومدخلاته. فالاحتكاك والتفاعل في إطار بيئة العمل، قد يُنتج سلوكاً عدوانياً تجاه العناصر البشرية )مدراء، فنيين، عمال،..( أو تجاه الأدوات )آلات، أجهزة،..(.

أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة، حسين محادين، يعرّف العنف الوظيفي بأنه «لجوء إلى إحدى وسائل التفاعل الوظيفي غير المتكافئة بالمعنى الإنساني، في إطار ثنائيات الحقوق والمسؤوليات » ويرى أن التفاعل المتكافئ مفقود في المؤسسات الوظيفية، ليس بسبب غياب النصوص القانونية، بل لأن أكثر النصوص المعمول بها في المنطقة، منقولة من قوانين وأنظمة معمول بها في مجتمعات «متقدمة »، ذات خصوصية مغايرة

لواقع المجتمعات العربية وضوابطها. ظهر مفهوم العنف الوظيفي في سياق مواءمة بين علم الاجتماع والعلوم الإدارية، وينقسم إلى: عنف معنوي )حسّي، لفظي، فكري(، وعنف جسدي )الضرب، الجهد الشاق في العمل، ...(. تركّزت دراسات العنف الوظيفي في الأردن، في بداية الأمر، حول العنف الوظيفي الذي تتعرض له المرأة العاملة. من ذلك، دراسة أجرتها الباحثة أمل العواودة العام 2004 ، بعنوان «العنف ضد المرأة العاملة في الأردن »، جاء فيها أن 35 في المئة من إجمالي النساء العاملات عانَين من العنف الوظيفي الجندري. هذه الدراسات تطورت في ما بعد لتتجاوز البعد الجندري، وفيها ظهر أن السلوك العدواني الذي يتعرض له العاملون بأشكاله المختلفة، يؤثر في السلوك الوظيفي، ويرتبط بمجالات الحياة الأخرى، كالاجتماعية والنفسية.

يختلف إداريون في تقدير حجم العنف الوظيفي ومقداره في مؤسساتهم، لكنهم يتفقون على وجوده. أكرم الوظيفي، المدير الإداري والفني لمدارس الحصاد التربوي، يرى أن التشريعات المعمول بها في المؤسسات، لا تسمح بالعنف الوظيفي، لكن هذا السلوك قد يحدث بصورة خفية، وفي الغالب لا يُفصَح عنه. يعتقد الوظيفي أن العنف الوظيفي لا يفرّق بين الذكر والأنثى، وفي هذا السياق يشرح أنه يتعامل في مجال عمله مع عدد من الشكاوى يقدمها موظفون عانوا من العنف الوظيفي، فيجري التعامل معها في إطار القوانين والأنظمة المرعية.

أما عبد القادر أبو إسماعيل، المدير في أحد المصانع، فيشير إلى أنه لا يجزم بعدم تعرض موظفيه للعنف الوظيفي، مؤكداً أن تقبّل الإداريين لمثل هذه السلوكيات يختلف من شخص لآخر، سواء كانت بحدودها الطبيعية حين تظهر كردود أفعال تجاه ضغوط عارضة، أو كانت غير طبيعية، تميل للعدوانية المنحرفة. وبسبب وجود حالات متعددة للعنف الوظيفي، تشهد المحاكم قضايا متعددة من هذا النوع، بحسب المحامية نانسي فشحو، التي تشرح أن منها القضايا المتعلقة بالرواتب، والاعتداء الجسدي، وغيرها، وفي معظمها يضطر الموظف لترك عمله من دون إشعار بالفصل، يضمن له الحصول على تعويض. تضيف فشحو أن «نصوص القوانين تحمي العامل وصاحب العمل بشكل عام، لكن لا يوجد وعي قانوني لدى أكثر العاملين يمكنّهم من التمييز بين ما هو من العنف الوظيفي، وما هو من الأمور التي ينظمها القانون »، موضحة أنها بوصفها محامية تتعامل مع قضايا تتعرض لمسألة العنف في مكان العمل، سواء من صاحب العمل أو من العاملين.

تتنوع حالات العنف الوظيفي التي رصدتها "السجل" في عدد من المؤسسات، بين مصادرة حقوق مالية، وتقليص صلاحيات، وتكليف الموظف بمهام لا تتناسب والوصف الوظيفي، فضلاً عن وجود حالات من العنف الجسدي. من ذلك، ما تشير له تمارا الصعوب )سكرتيرة، 28 سنة(، من أن مديرها في العمل، أجبرها على التنازل عن شكوى ضده لتأخره في دفع الرواتب، هي وعدد من زملائها، ثم صمم على عدم تجديد عقود التوظيف لهم. تقول: «كان الأمر قاسياً، ولم نعرف كيف نتصرف، وضاع كثير من حقنا .» كذلك، ما يشرحه رامي موسى )مهندس اتصالات، 26 سنة(، من أنه يتعرض «نوعاً ما » للعنف الوظيفي. يقول: «صلاحياتي في العمل محدودة، فأشعر أن صاحب العمل لا يثق بي وبعملي، كذلك أحس أن معظم أمور العمل تكون مكتومة عني .» مها سعيد )موظفة استقبال، 35 سنة(، أيضاً، ترى أن العنف الوظيفي يمارَس عليها وعلى زملائها من المدراء، إذ لا توجد لديهم أية صلاحية، فضلاً عن أن المدراء لا يلتزمون بالوصف والمهام الوظيفية لموظفي الاستقبال، فتكون محاسبتهم على أخطائهم انتقائية وغير ثابتة.

أم هبة النجار )معلمة، 34 سنة(، تتعرض لنوع مشابه من العنف الوظيفي. «المدرسة الخاصة التي أعمل بها، تطلب مني كثيراً من الأمور غير التدريس، كأن أعمل مشرفة باص مثلاً، فيما أن صاحب المدرسة لا يستمع لشكوانا أبداً، لعلمه أننا نحتاج العمل ولا يمكننا تركه .» أنواع العمل الأخرى، التي ليس فيها احتكاك مع صاحب عمل، لا تخلو من عنف وظيفي هي الأخرى، إذ قد يلعب الزبائن والمراجعون هذا الدور بدلاً من أرباب العمل. من ذلك، أن ميساء خير )صيدلانية، 33 سنة(، تتعرض بحسب قولها للعنف الوظيفي من المراجعين للصيدلية: «أحيانا يطلبون أدوية ولا أقبل صرفها، فأهدَّد بالضرب أو ما يشابهه، لكن ما يفيدني أن الصيدلية موجودة في مكان عام ». ومثل ميساء، يتعرض أحمد إبراهيم )حارس نهاري، 29 سنة(، لعنف مشابه، من خلال مراجعي الشركة التي يحرسها، وزوارها: «يصرّون على الدخول حين أمنعهم، فيشتكون عليّ، وبذلك توجَّه لي إنذارات من المسؤولين .» تنوّع أشكال العنف الوظيفي، يجعلها ذات مراتب تتراوح بين الشديد والبسيط، لكن أعلى مراتب العنف الوظيفي، بحسب حسين محادين، هي تلك التي ترتبط بأسباب العيش، وفيها يقوم مسؤولون باستغلال صلاحياتهم بصورة قاهرة تتجاوز الهدف الناظم للعلاقة بينهم والعاملين تحت سلطاتهم.

" العنف الوظيفي": موظفون تحت رحمة المدراء
 
12-Feb-2009
 
العدد 63