العدد 63 - ثقافي
 

نوال العلي

حين قام وزير بريطاني بزيارة إلى جنوب إفريقيا، ذهب لمقابلة الزعيم المسنّ لقبيلة البوشمن، وحين سأله الوزير عن عمره، وهو يعلم أن علم الحساب عند هذه القبيلة محدود جداً ولا يتجاوز الرقم أربعة، أجابه الشيخ: «أنا أكبر من أكثر خيبات أملي مرارة، وأصغر من أكثر ذكرياتي بهجة .» هذا شكل من الكلام تتجلى فيه الذات، ضمن منظومة رمزية تحمل ما تحمل من فرق كبير بين حضارتين، تعيش كل واحدة زمنها في عصر واحد.

الكلام بوصفه سابقاً على الوعي، وحاكماً للعلاقات الإنسانية بين البشر، وكاشفاً للحقيقة الذاتية، هو قارب الرحلة التي يقوم بها مصطفى صفوان، تلميذ جاك لاكان، في كتابه «الكلام أو الموت » )المنظمة العربية للترجمة(، بوصف لاكان، المحلل الذي رأى أن الشفاء الفعلي للذات يكمن في قدرتها على قول حقيقتها بعد الوعي بها طبعاً. و «ما يصدق على المرَضي في التحليل، يصدق بالقدر نفسه على أحوال الوجود الأخرى .»

من هنا، قال كولن ماك كابي، في مقدمة النسخة الإنجليزية من الكتاب الصادر في أصله بالفرنسية )قام بتعريبه مصطفى حجازي(، إن تعبير الكلام أو الموت الذي صدر عن لاكان بمعنى تحليلي نفسي، يحمل في أساسه رسالة سياسية فعلية «بين الذوات، وبين الحاكم والمحكوم، متجاوزاً السياسة بالمعنى الشائع وصولاً إلى الديمقراطية الفعلية .»

صفوان يدهش القارئ منذ البداية، إذ ينصح بتأجيل قراءة الفصل الأول إلى الأخير، أو يقترح على القارئ مثلاً أن يبدأ بأي فصل شاء، فكتابه من طراز دائري. كأنه وهو يكتب المقدمة، يضيف إلى مهمة الكتابة على صعوبتها، وضع خيارات منهجية متاحة للقراءة. فإذا به يحلل منطق تفكير المتلقي: فإذا كان المتلقي من المهتمين بالتحليل النفسي كنواة للكتاب، فعليه بالفصل المعنون «الاستعادة التأملية »، أما إذا كان ممن يفضّلون الذهاب مباشرة للمحاور الأساسية، فينصحه صاحب «أربعة دروس في التحليل النفسي »، بالتوجه للجزء الأخير، وعنوانه «في ما يتجاوز المجتمع .» يعود صفوان ليدهش القارئ أكثر بقوله، إنه كتب الكتاب استجابة لمناقشة حول الثورة الإيرانية مع صديقه كولن ماك كابي، مفادها أن الشعب الإيراني عاد إلى دينه، ولكن القارئ لن يجد شيئاً عن الثورة الإيراينة، بل «تفسيراً معقولاً لما قد يدفع شعب ما إلى تقديس جذور هويته »، من خلال تفسير علاقة المجتمع بالنظام الرمزي.

وإذا كان لتعبير »parlêtre « ، الذي ابتكره جاك لاك ان، أي معنى، ويجمع فيه القول parler( ( مع الوجود ) être (، فإن تأويله سيكون بالوجود من خلال الكلام، أو الكائن المتكلم، وما يمكن استبدال عبارة صفوان به )الكلام أو الموت(، ونحن بذلك ندخل في لعبة هذا أو ذاك. «لا يوجد بين أي شخصين، سوى الكلام أو الموت، التحية أو الضرب بالحجر ،» يقول صفوان، مبيناً كيف يصبح العنف شرطاً إنسانياً ضمنياً لدى هزيمة الكلام. فكل عمليات الوعي، كما يقول هيغل، تتم بوساطة اللغة.

لكن، ماذا عن عمليات اللاوعي؟ من هو أو ما هو الدالّ في هذه الحالة؟ تلك الأصوات التي تعلن الأوامر الأخلاقية والضمير، وكأن الذات تفرض سماع رسالتها من مكان آخر كبير، من موقع اللغة. في الحقيقة إن ذلك الآخر الكبير ما هو إلا النظام الرمزي الذي يرى لاكان أنه يحدد الذات، وهذا المكان هو بنية رمزية أساسية تمثل موضع الكلام، ويشكل القانون الحاكم للكلام ودلالته، وبالتالي فهو سابق على وجود الذات، مثلما هي اللغة سابقة على وجود الطفل، فالذات بهذا المعنى تتكون من خلال العبور إلى العالم الرمزي بوساطة اللغة التي تميز الكائن الإنساني. في «الكلام أو الموت » يستعيد صفوان، صاحب «البنيوية والتحليل النفسي »، كثيراً من معلميه. كلود ليفي شتراوس موجود من خلال «الخزافة الغيورة »، وفرويد حاضر بقوة بالاستناد إلى كتابه «خمس حالات في التحليل النفسي »، وكذلك «اللسانيات الحديثة » لتشومسكي، إضافة إلى لاكان بالتأكيد، وحنا آرنت. إنه ملخّص تحليلي نفسي لعلاقة الإنسان بالرمز. والشكل الذي تأخذه هذه العلاقة في التوراة، على سبيل المثال، وفي الأساطير ولدى الشعوب البدائية، كل ذلك بأسلوب يتباين بين علمي متخصص، وأدبي متواضع وسلس، ليحدثنا صفوان عن تساؤلاته: هل نعيش كما نحلم؟ وأيّ تضحيات قدمناها في سبيل الحضارة؟ ولماذا عاد، ويعود كثيرون، وبتطرف، إلى النظام الرمزي القادم من مكان آخر كبير؟.

العنف بعد هزيمة الكلام: القول أو الموت
 
12-Feb-2009
 
العدد 63