العدد 63 - اقليمي
 

سليم القانوني

الحرب التي شُنت على غزة أواخر العام الماضي، حسّنت من فرص افيغدور ليبرمان، وهو نجم اليمين الصاعد في سماء اليمين الإسرائيلي. وبدرجة ثانية زادت من حظوظ نتنياهو، زعيم الليكود، معقل اليمين التقليدي والتاريخي.

ليبرمان ملدافي الأصل، زعيم "إسرائيل بيتنا"، شأنه شأن "بيبي" الليكود، لم يخض مؤخراً الحرب، ولا يتولى موقعاً وزارياً أو عسكرياً، فكلاهما ينفخ في الأبواق: اطردوا العرب، لا تنازلات في القدس ولا الضفة الغربية ولا الجولان، الإرهاب العربي في الداخل )داخل الخط الأخضر( أشد خطورة من إرهاب حماس.

السلام بدا بضاعة كاسدة إن لم تكن «فاسدة » في سوق الحملات الانتخابية. المزايدات دارت حول التنصل من السلام لا التوجه إليه. الجمهور الذي يجنح أكثر لليمين يبحث عن متطرف جديد يستجيب لغرائزه ويحقق مزيدا من الانتصارات على كل ما هو عربي )تُقرأ فلسطيني(. ليبرمان ليس متطرفاً فقط، لكنه علماني على طريقته أيضاً: يدعو للعمل يوم السبت، وللزواج المختلط. وقد تلقى هجوما من حزب "شاس" الديني الشرقي، الذي نعت جماعته بأنهم "من مربّي الخنازير". تقدَّمَ "إسرائيل بيتنا" وخلفَ وراءه "شاس" بأربعة مقاعد ) 15 إلى 11 مقعداً(. الجمهور الإسرائيلي تستهويه مثل هذه الخلطة بين التطرف المستند إلى ذرائع دينية، والعلمانية، فضلا عن النزوع لدمج المهاجرين الروس، بما يبث دماً جديداً في أوصال المجتمع والحياة السياسية. ليبرمان الذي يخضع للتحقيق بتهم التزوير وغسيل الأموال، سبق أن كان مديرا لمكتب نتنياهو. الاثنان اكتشفا تسيبي ليفني. وهو ما حمل معلقين إسرائيليين على وصف الثلاثي بأنهم يشكلون معاً "مثلث برمودا" سياسي. دارت بينهم معركة على الأرضية نفسها وبالأفق نفسه، لكن بمفردات مختلفة وسمات شخصية خاصة بكل منهم. ليس هناك من هو مضطر لأخذ تحذيرات ليفني من قدوم موجة تطرف، على محمل الجد، فزعيمة "كاديما" وعميلة الموساد سابقاً، هي أبرز عرّابي الحرب الأخيرة على غزة، الحرب الأكثر وحشية. الفرق أن ليفني أكثر تدرباً على الاحتيال الدبلوماسي والسياسي، وهناك حاجة لصبغ سياسة ذكورية عدوانية بمسحة أنثوية.

تشكيل حكومة جديدة، سواء شكّلها نتنياهو أو ليفني سوف، يخضع لاشتراطات ليبرمان وحزبه الذي دفع بحزب "العمل" التاريخي إلى موقع متأخر. وسوف يتحول الرجل الذي قدم إلى البلاد قبل ثلاثة عقود إلى رقم صعب. على إدارة أوباما وعلى الأوروبيين وعلى العرب أن يراعوا ذلك، ويأخذوه في لحسبان، وأن لا يتقدموا بمطالب "تعجيزية" مثل وقف الاستيطان. فذلك ما لا يرتضيه ليبرمان، الذي نشأ في أحضان حركة "كاخ" برئاسة مئير كاهانا، قبل أن يتم تصنيف هذه الحركة إسرائيلياً بأنها "إرهابية". استطلاعات الرأي بالغت في تقدير قوة نتنياهو، وهو ما أضره في النتيجة. لقد أظهرته متقدماً بأربعة مقاعد على الأقل على "كاديما"، وفي النتيجة فقد تخلف الليكود بمقعد واحد ) 28 مقعدا ل"كاديما"، و 27 مقعدا ل"الليكود"(. ذلك لم يحل دون نتنياهو وإعلان الفوز ليل الثلاثاء ) 10 شباط/فبراير(. بل إنه قام من طرفه وفور إعلان النتائج بتكليف نفسه بتشكيل حكومة جديدة تتصدى ل"الخطر الإيراني"، معتمداً كما قال، على قوة اليمين، علما أن ليفني قادرة أيضا على استقطاب اليمين، وواقع الحال أن "كاديما" هو "ليكود 2"، ويمثل ما تصح تسميته "اليمين الجديد". أما "إسرائيل بيتنا" فقد صحت التوقعات نسبياً بشأن حظوظه، واحتل المركز الثالث ) 14 وليس 20 مقعداً حسب الاستطلاعات(.

وسارع ليبرمان للإعلان عن استعداده واستعداد حزبه للمشاركة في حكومة جديدة، سواء قادته ا ليفني أو نتنياهو. بهذا فإن الرجل لم ينتظر حتى يتم تطويع خطابه وترويض أدائه، إذ سارع إلى وضع نفسه في مجريات التطورات السياسية، كعنصر تسهيل لا تعويق. والمناورات سوف تجري في غضون هذه الأيام لتقديم عروض له، من طرفَي حزبَي اليمين الكبيرين. اليمين نافس نفسه في هذه الانتخابات، وقد نجح ب 65 مقعداً من أصل 120 مقعداً. لم يفشل في واقع الأمر طرفٌ في هذا المعسكر، وقد جرى إعادة توزيع الكعكة بعدما تضخمت. كعكة مجبولة بدماء المدنيين في غزة. وقد تم صنعها بمناسبة اندثار العملية السلمية، واستقبالا لأوباما، والرسالة أن الانتخابات الإسرائيلية لا الأميركية، حتى لو كانت الأخيرة رئاسية، هي التي ستقرر مصير المنطقة، بما في ذلك التعامل مع الملف الإيراني.

الانتخابات الإسرائيلية: اليمين يتفوق على "نفسه"
 
12-Feb-2009
 
العدد 63