العدد 63 - الملف
 

نهاد الجريري

ما زالت تحبه، لكنها لم تعد تطيق أن تعيش معه بعد أن تزوج عليها. هو لم يرغب في تطليقها، فاختارت أن ترفع عليه قضية خلع. وهكذا حصلت على الطلاق، وهي تعيش الآن مع ابنتها ذات السبعة أعوام في شقة يقود إليها درج ضيق في منطقة قريبة من دوار المدينة الرياضية. في الشقة بعض قطع الأثاث؛ «سيتحسن الحال بعدما أستقر في عملي »، تقول هدى التي تعمل مدرسة للغة الإنجليزية في أحد مراكز تعليم اللغات.

حال هدى لا يختلف كثيراً عن حال هبة التي تعمل طبيبة. هبة، وجدت نفسها في وضع «غير مريح » بعدما فَرض عليها عمل زوجها في الخارج «زواجاً بالمراسلة .» تعمقت الخلافات بين الاثنين، وطالبته بالطلاق، لكنه تعنت، واشترط أن تتنازل له عن قطعة أرض تمتلكها تصل قيمتها 50 ألف دينار كانت قد ورثتها عن أبيها. رفضت هدى، وظلت «معلقة » فلا هي متزوجة ولا هي مطلقة. إلى أن سمعت بإقرار فقرة «الخلع » ضمن قانون مؤقت للأحوال المدنية. تقدمت بطلب مخالعة. زوجها استكثر أن يُقال عنه إنه «مخلوع »، فطلقها بعد أن تنازلت عن كامل حقوقها الشرعية، وبعد أن أعادت له مؤخر الصداق وما «قبضت » من مهر مقدم، ولكن من دون قطعة الأرض.

هاتان قصتان تقليديتان للخلع، وهو «إنهاء الرابطة الزوجية، شريطة التنازل عن المقبوض )المهر المقدم( وما هو مسجل في عقد الزواج ». هذه المبالغ تضعها الزوجة في صندوق للمحكمة قبل أن تباشر بإجراءات المخالعة، فإن وافق الزوج على الطلاق، تمّ. وإن رفض، يلجأ القاضي إلى محاولة الصلح بين الزوجين، فإن أخفق في ذلك، يصبح ملزماً له إنهاء الرابطة الزواجية، بغض النظر عن موافقة الزوج.

هذا هو، باختصار، مبدأ المخالعة. إلا أن الفقرة المتعلقة بالخلع في قانون الأحوال الشخصية المؤقت للعام 2001 ، ما يزال تخضع لكثير من

الشد والجذب والجدل حول جدواها. الناشطة الحقوقية إنعام العشي، من المعهد الدولي لتضامن النساء، تقول إن اعتماد هذه الفقرة في المحاكم

الأردنية ساعد بعض السيدات على التحرر من قيود زواج لم يعدن يرغبن فيه؛ وذلك قياساً على الرجل الذي يتخذ قراراً منفرداً بتطليق زوجته.

ورداً على من يُروّج أن الخلع يتسبب في تفكك الأسرة، تقول العشي إن الإحصاءات أكبر دليل على أن رغبة السيدات بالطلاق تظل أقل بكثير قياساً برغبة الرجال. فمنذ اعتماد القانون المؤقت في 2001 وحتى العام الجاري، سُجّلت 8 آلاف حالة خلع فقط، في المقابل، سجلت المحاكم الشرعية الأردنية العام 2007 وحده، 13 ألفاً و 530 حالة طلاق.

وتلحظ العشي أن المستفيدات من طلاق الخلع حتى الآن من السيدات الموسرات. فالسيدة المتمكنة مادياً هي القادرة على دفع المهر )المقبوض(، وكل ما هو مسجل في عقد الزواج. أما الفقيرة، فلا حول لها ولا قوة. في هذا الإطار، تعتبر المحامية علا المومني، مديرة مشروع «من حقك التمتع بحقوق عادلة متكافئة »، التابع لمعهد الملكة زين الشرف، أن تمكين المرأة بحيث تصبح قادرة على التحرر من زواج لا ترغب فيه، لا يكون بالخلع. وتعلل ذلك بالمسائل المالية المتعلقة بالخلع؛ وهي مسائل لا تقتصر على المبالغ التي تطالب الزوجة بدفعها لتحرر نفسها، بل تشمل أيضاً آلية تقديم هذه المبالغ. فالقضاء يفرض على الزوجة أن تدفع هذه المبالغ مُقدماً ودفعة واحدة، في الوقت الذي يسمح فيه للزوج بأن يقسط ما يترتب عليه من نفقة مثلاً لزوجته المطلقة، وبحسب قدرته المادية.

في جانب آخر، تعتبر المومني أن من النساء والرجال من يسيء استخدام الخلع. وتذكر أن من الرجال من يرفض التطليق حتى يشوه صورة الزوجة أمام أطفالها؛ ومن النساء من تصر على الخلع حتى يكون زوجها مخلوعاً. وتلفت إلى تعليقات «كاريكاتيرية » تناقلتها وسائل الإعلام من باب التندر بالخلع. فسمعنا وقرأنا عبارات مثل: «مسمار بالبيت وخلعته؛ أو زي ما بخلع الكندرة! .» النائبة أدب السعود، التي تعارض الفقرة المتعلقة بالخلع في قانون الأحوال الشخصية، تضيف إلى ذلك أن الرجل كثيراً ما يصر على أن تلجأ زوجته إلى المخالعة حتى «تتنازل له عن حقوقها ». السعود تؤكد أن معارضتها لهذه الفقرة لا تأتي من باب «معارضة المرأة للمرأة »، بل على العكس، إذ إنها تسعى إلى إجراء أكثر فاعليه يضمن للزوجة أن تختار الزواج أو الطلاق على حد سواء بغض النظر عن وضعها المادي، وهو ما لا يتوافر في الصيغة الحالية للمخالعة التي تخدم الموسرات. وهي تعتبر أن ما هو أجدى من تفعيل التعديلات بشأن الخلع هو تفعيل إجراءات الطلاق المعمول بها أصلاً، وبخاصة ما يتعلق بقضايا الشقاق والنزاع. هنا يحق للزوجة أن تطلب التفريق بسبب الشقاق والنزاع، حيث يسعى القاضي إلى الإصلاح بين الزوجين،

فإن تعذر ذلك، يعين لجنة لتقدير ضرر الزوج أو الزوجة من الشقاق، وتتم ترجمة هذا الضرر بنسبة تدفع من المهر المكتوب في عقد الزواج. فمثلاً، إذا كان مهر الزوجة 1000 دينار، وقدرت اللجنة أن الضرر اللاحق بها من النزاع والشقاق )مثل خلافات أو سمعة في المجتمع(، يصل 70 في المئة مقابل 30 في المئة من الضرر اللاحق بالزوج، تقوم اللجنة بمنح الزوجة 700 دينار. لكن المحامية المومني تلحظ أن هذه القضايا لا

تتم من دون تقديم إثبات، وهو أمر كثيراً ما يتعذر على الزوجة. فقد يكون الضرر معنوياً، أو قد يكون ذا علاقة بوجود «علّة مانعة لقيام علاقة زوجية ». وهنا تفضل الزوجة أن تسكت عن «الفضيحة .» وكحل ناجع لهذه المعضلة، تقترح المومني أن يُصار إلى إلغاء بند الخلع في قانون الأحوال المدنية، مقابل تسهيل وتخفيف عبء الإثبات في قضايا الشقاق والنزاع، بحيث يسمح القضاء بقبول الإثبات «على السمع » من الشهود. بمعنى أن يأخذ القاضي بشهادة شاهد يقول إنه «سمع » أن الزوجة تعاني من هذا أو ذاك.

الخُلع: خلاص من حياة زوجية لم تعد مرغوبة
 
12-Feb-2009
 
العدد 63