العدد 58 - أردني
 

حسين أبو رمّان

أوضح رئيس مجلس النواب عبد الهادي المجالي، في جلسة الأحد (4/1) التي كانت أقل صخباً من سابقتها، أنه لا يمكن تحويل الجلسة إلى جلسة استثنائية خاصة بغزة، لأن أحداً لم يطلب ذلك بشكل نظامي. وحينما قدّم المجالي بند «ما يستجد من أعمال» على البند التشريعي، تحدث 32 نائباً ونائبة، معربين عن إدانتهم للعدوان وتضامنهم مع الأهل في غزة.

نواب كتلة حزب جبهة العمل الإسلامي الستة تمسكوا بموقفهم الذي يطالب بما هو أقصى: «قطع العلاقات وإنهاء كل المعاهدات: كامب ديفيد وأسلو ووادي عربة»، حسب ما جاء في كلمة رئيس الكتلة حمزة منصور.

ربع المتحدثين في الجلسة، طالبوا بطرد السفير الإسرائيلي أو استدعاء السفير الأردني أو الأمرين معاً، واستخدموا عبارات متنوعة لوصف ذلك، فمن المطالبة بالطرد إلى إشعار السفير الإسرائيلي بأنه غير مرغوب فيه، إلى الطلب منه مغادرة المملكة.

لكن مذكرة موجهة إلى رئيس المجلس، أعدت على عجل وجمع عليها 28 توقيعاً قالت «إن الحد الأدنى لمطالبنا هو طرد السفير الإسرائيلي وتجميد العلاقات مع إسرائيل، لأن العدوان فاق كل التصورات».

المذكرة التي كان يمكن أن تجمع تواقيع أخرى، لو عرضت على جميع النواب الحاضرين، جاءت متناغمة مع شعارات تطالب بطرد السفير أطلقها المشاركون في مسيرة حاشدة لطلبة الجامعات، توقفت أمام البرلمان قبيل عقد الجلسة بقليل.

نواب أدركوا أنه لا يليق بنواب الأمة مواصلة الدوران في دائرة الشعارات، بل يتعين عليهم أن يقتربوا من دائرة الفعل. في هذا الاتجاه طالب محمد أبو هديب بجمع أدلة وبراهين على الجرائم التي اقترفتها إسرائيل في غزة، تمهيداً لمحاكمة إسرائيل لدى المحكمة الجنائية الدولية. وفي أثناء الجلسة، وقع 29 نائباً مذكرة تقترح تكليف اللجنة القانونية العمل مع الهيئات الوطنية والحكومة لتقديم مذكرة قانونية إلى المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية بحق من وصفتهم المذكرة بـ «عتاولة الإجرام الصهيوني».

وجاء في المذكرة و من بين موقعيها ستة من المحامين في المجلس أن «هذه الأعمال تخالف الأعراف والقوانين الدولية، وتحديداً القانون الدولي الإنساني الذي يشكل انتهاكه مصوغاً قانونياً لتدخل المحكمة». ويذكر أن فخري إسكندر اقترح في الجلسة السابقة ،أن يتم ذلك بالتعاون مع نقابة المحامين الأردنيين.

عدد من النواب في الجلسة أعلنوا تبرعهم لأهالي غزة، فقد أعلن محمد السعودي تبرع شركته بـ 25 ألف دينار من خلال المجلس وكذلك براتب شهر، وتبرع حسن صافي بـ 10آلاف دينار، وكلاهما من كبار المقاولين. وتبرع اثنان آخران كل منهما براتب شهر. في حين تمنت كتلة العمل الإسلامي «أن يكون هناك التزام من جميع أعضاء المجلس» حتى تكون الرسالة أقوى، وفي الاتجاه ذاته اقترح سليمان السعد أن يتبرع كل عضو في المجلس بـ 500 دينار كحد أدنى، لكن رئيس المجلس عبد الهادي المجالي، ذكّر بأن باب التبرعات مفتوح حسبما أعلن في الجلسة الماضية، إثر اقتراح مبارك أبو يامين بأن يتبرع كل نائب براتب شهر، وإعلان أبو يامين تبرعه لغزة «بقيمة الإعفاء الجمركي» الذي حصل عليه النواب مؤخراً.

على صعيد آخر، تراجعت اللغة «المنفلتة» مقارنة مع جلسة الخطابات النارية الماضية، لكن ناجح المومني استمر في وصف الإسرائيليين بـ «أبناء القردة والخنازير»، ووصف إسرائيل بأنها «دولة الخنازير»، متجاهلاً أن هذه لغة عنصرية مرفوضة دولياً، وقد تورط المجلس في قضية هو في غنى عنها، إذ قد تؤدي إلى المطالبة بمقاطعة المجلس ومحاكمة البرلماني المعني.

من الأمور اللافتة في الجلسة لجوء نواب للمطالبة بإطلاق سراج الجندي أحمد الدقامسة لا على خلفية الموقف من الحكم الصادر بحقه، وإنما بالاتكاء على أحداث غزة، إذ طالبت مذكرة وقعها أكثر من 30 نائباً من رئيس المجلس أن ينسب للحكومة بإصدار عفو خاص يقضي بالإفراج عنه «نظراً لما يتعرض له أهلنا في قطاع غزة الصامد»، دون أن توضح المذكرة الصلة بين الأمرين.

على صعيد آخر، وجه عبد الله غرايبة انتقاداً لاذعاً لزملائه تعليقاً على ميل العديد منهم مواصلة الخطابات. قائلاً «لسنا بحاجة إلى إضاعة الوقت في كلام قيل ويقال في كل المحطات». وتساءل ماذا عملنا في الأيام العشرة الماضية؟ واعتبر أن ما حدث في الأردن من تضامن لم يحدث مثله في بلد آخر. واقترح قفل باب النقاش لمواصلة أعمال الجلسة حتى لا يتم تعطيل عمل الحكومة التي «تضطر للجلوس معنا ساعات طويلة».

فزاعة «مؤامرة الوطن البديل» وجدت لها فرصة لتطل برأسها. إذ باتت تستخدم إذا ما رغب شخص أن «يقوي» حجته بأن على الأردن الرسمي أن يتخذ مواقف أكثر راديكالية إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو لتبرير القيود الرسمية على حقوق المواطنين وحرياتهم برغم أن هذا ينطوي على ترويج مجاني لهذه «المؤامرة».

فخلافاً للدروس التي ينطوي عليها صمود أهل غزة، ذهب نواب إلى اعتبار أن ما يجري يخدم مؤامرة الوطن البديل، فقد اعتبر تيسير شديفات أن الأردن يتعرض لمؤامرة تطل بين حين وآخر هي «ما يسمى بالوطن البديل»، فيما اعتبر يوسف القرنة أن محرقة غزه هدفها التهجير الجماعي، و«هدفها الوطن البديل». لم يقدم النائبان الدليل على هذا الربط التلقائي الذي تردده بعض القوى السياسية في كل مناسبة.

فالحزب الشيوعي الأردني ذكر في بيان له يوم (5/1) أن أهداف العدوان الآثم تتجاوز الرد على صواريخ حماس، إلى شطب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني و«تهديد استقلال وسيادة الأردن من خلال مؤامرة الوطن البديل». كما اعتبر الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في أراضي 48، في مقابلة خاصة مع صحيفة العرب اليوم (4/ا)، «أن الاحتلال يطمع في  فرض مشروع الوطن البديل على حساب السيادة الأردنية كحل في نظره للقضية الفلسطينية». هذا في حين أن صمود أهل غزة على أرضهم رغم المأساة التي يتعرضون لها، دليل على أن شعب فلسطين يرفض لغة الأوطان البديلة.

وتحدث عدد من النواب بلغة فيها شيء من الانفعال عما أسماه إبراهيم العموش «شعارات تسيء للوحدة الوطنية»، مبدياً رغبته أن يتم رفع العلم الأردني في المسيرات. وطالب تيسير شديفات «الضرب بيد من حديد على من يعمل على الفرقة». وقال صالح الجبور إننا نعتصر ألماً لما يجري في غزة، لكن هناك مسيرات غير منضبطة، وطالب الحكومة بضبطها. وقال صوان الشرفات لا ترموا قوات الأمن بالحجارة، وتساءل «لماذا لا يرفع العلم الأردني أو صور جلالة الملك» في المسيرات.

نواب آخرون اعتبر بعضهم أن التحركات الشعبية تنطوي على هنات أو اخطاء، وهذا أمر عادي، كما جاء في مداخلة عبد الله غرايبة. في حين شدّد محمد أبو هديب على رص الصفوف وتعميق الوحدة الوطنية، مؤكداً ضرورة أن لا يشتم أن هناك خلافاً بهذا الشأن.

أما خليل عطية، فقد تحدث بشمول عن هذه المسألة، موجهاً التحية لقوات الأمن التي «تنظم حركة المرور في الشوارع كي تفسح الحركة للمشاركين في المسيرات وتحميها».

وأضاف أن اللوحة العامة لم تشهد سوى مناوشات محدودة وفردية ولا نقبلها ونرفضها، وأن تكسير السيارات والهتاف غير المقبول مرفوض، و «علينا نحن النواب أن نصوب هذه الأمور قبل الحكومة». وأشاد بالوقفة الأردنية الشجاعة على كل المستويات، وناشد القائمين على المسيرات رفع العلم الرسمي باعتباره واجباً وطنياً.

“طرد السفير” يحتل أولوية في رد الفعل النيابي
 
08-Jan-2009
 
العدد 58