العدد 9 - ثقافي
 

يقولون إن لدى القاهرة جذورا حضارية تحملها وتحميها أمام أعتى الرياح وأصعب المحن الحضارية (كأعاصير الهبوط الموسيقي التي تجتاح البلاد العربية مؤخرا على أيدي أنصاف منتجين وأرباع فنانين وأخماس مؤدين). ويقال إننا في الأردن لا نملك مثل تلك الحضارة العميقة التي لدى مصر في دعوة مبطنة للموسيقي الأردني أن يتخلى عن حلمه الموسيقي ويعتنق أي عمل آخر لأنه لا يوجد لديه أمل ولا يعمل في مهنة “تطعمي خبز”. غير صحيح!

أريد أن أصحح هذا الفهم المنتشر للموسيقى في الأردن: نحن لدينا موسيقى ولكن لا يوجد لدينا بنية تحتية تحملها وتعرف أهل البلاد بها. نحن لدينا زخما موسيقيا عظيما ولكن لا يوجد لدينا مؤسسات تسجل تاريخه وتبحث فيه وتحتضنه. نحن لدينا نوابغ موسيقية لكن لا يوجد أرضية يقفون عليها. من أجل هذا أغار على عمان من تلك الأقاويل وأنظر إلى القاهرة بعين الطالب الذي يرغب في التعلم من “الست” علنا نستقي مما لديها من مؤسسات وعقليات وأساليب دعم للموسيقى والموسيقي من أجل أن نصبح يوما مثلها متمكنين مما لدينا.

لا نريد أن نخلق تراثا موسيقيا أردنيا، فهو موجود لدينا يتنفس و ينتظر من يلم أشلاءه ويعترف بكيانه. فلنفرض فرضا أن هناك مؤسسة ما قررت أن تنبش هذا الإرث الحضاري وتكون في صدارة الشركات الخاصة أو العامة المعنية بتعريف أهل البلد ببلدهم موسيقيا. ستجد هذه المؤسسة أن بإمكانها إصدار مشروع يحمل عنوان “الأعمال الأردنية الموسيقية الكاملة” بعد توظيف أصحاب المعرفة في الأمر للتوثيق والبحث والاستقصاء (حتى لا يتم إسقاط أعمال أحد الموسيقيين سهوا في بلد تغلب عليه تفشي بعض الأحقاد الموسيقية وللأسف بين القليلين الذين تمسكوا بهذه المهنة الصعبة) ولمقابلة الموسيقيين أو ذويهم (إذا ما التحقوا بالرفيق الأعلى) وللبحث في الإذاعات والأرشيفات إلى أن تصدر هذه المؤسسة المجهولة الهوية (حتى الآن) حقيبة تحتوي كل موسيقى تنفست على أرض الأردن.

ويمكن تقسيم هذه الحقيبة إلى أقسام ليتسنى للمستمعين والمستمعات والمهتمين الرجوع إلى الحقب الزمنية المختلفة حسب تسلسلها:

موسيقى أردنية درامية

لدى الأردن ثروة من الألحان الدرامية للمسلسلات الأردنية (والسورية والعربية) على أيدي ملحنين مثل طارق الناصر ووليد الهشيم وطلال أبو الراغب ومحمد الحلو وغيرهم على مر السنوات.

أعمال موسيقية أردنية تقليدية قديمة، أو إعادة إحياء تراث أردني وعربي

قديما مثل سميرة العسلي وعبده موسى وجميل العاص وسلوى، وحديثا مثل فرقة رم/طارق الناصر وأيمن تيسير ومكادي نحاس ومتعب الصقار وعمر العبدللات وهاني متواسي (على اختلاف الأنواع الموسيقية المقدمة).

موسيقى مزج (fusion) غربية-شرقية أو بديلة ومختلفة

مثل فرقة الروك الشرقي “إيثيريال” (التي ظهرت واندثرت في التسعينات) وفرقة “ميراج” المندثرة الشهيرة، بالإضافة إلى معاصرين مثل فرقة رم/طارق الناصر ويزن الروسان وعزيز مرقة وكاتبة هذا المقال وسوسن حبيب وزمن الزعتر وأيمن تيسير وعمر الفقير ومشروع كن-فيوجن (وهو مشروع مبني على الدمج الموسيقي بين أنماط موسيقية عديدة على أساس الارتجال الحر).

موسيقى أردنية معاصرة

في التسعينيات كان هناك مصطفى شعشاعة علما من أعلام الأغنية الأردنية الحديثة وحاليا لدينا ديانا كرزون وأمل شبلي وأحمد عبندة وفوز شقير.

موسيقى أردنية تراثية بدوية وبحرية

تراث موسيقي قديم من شمال الأردن إلى جنوبه ما بين الدحيات والأهازيج النسوية في مادبا والفحيص وأغاني الصيادين في العقبة والمواويل وعزف الربابة والسامر في صحراء البيضا ورم والبكائيات والهجيني.

دي جي وموسيقى الكترونية و”هب هوب”

في أوائل التسعينات انطلقت أغاني “أبو يوسف” وهو الاسم الموسيقي الحركي للشاب زيد علاء الدين وقد استقى بعض الكلمات لقطعه الموسيقية من التراث الأردني ووضعها بقالب الكتروني صاخب وهذه الكلمات والألحان مازالت نابضة في عقول كل من سمعوها مثل “نط البس ع ظهر التشيس (الكيس)” و “أبو يوسف، عمان إربد بقعة صويلح.” ومنذ عدة سنوات ظهرت مواهب وأسماء عديدة لشباب أردنيين متخصصين بالحفلات والـ “دي جي.”

موسيقى غربية بحتة لفرق أردنية

بما فيها أعمال فرقة “تايجرز” التي اشتهرت في أوائل التسعينات (معظمها إعادة عزف لمقطوعات غربية) ومرورا بفرق منتصف التسعينات التي تخصصت بموسيقى الميتال والروك والكلاسيك روك الغربية والتي كتبت أغاني خاصة بها مثل “ديد سي فيشنج كلوب” و “بلاك آيرس” و “باترفلاي كيس” و “بيكاسو” إلى فرق ومغنين “روك وبوب” حاليين مثل “حنا غرغور.”

وإلى أن يأتي اليوم الذي تمتلك فيه العائلة الأردنية حقيبتها الخاصة بالأعمال الأردنية الموسيقية الكاملة، أدعو لموسيقيي الأجيال الصاعدة بالقوة الداخلية الكافية ليتموا طريقهم الموسيقي من دون التحول إلى غيره طلبا للرزق أمام عقبات العيش العظيمة التي يواجهها الموسيقي الأردني (خصوصا المختلف والبديل).

من سيطلق المشروع ؟ "الأعمال الأردنية الموسيقية الكاملة" – ربى صقر
 
10-Jan-2008
 
العدد 9