العدد 57 - حتى باب الدار
 

القمع الناعم

إن عقدي السبعينيات والثمانينيات هما اللذان شهدا التكريس النهائي للخوف من السلطة، سواء من جهة الاستكمال النهائي لأدوات السلطة، أو من جهة التشابك بين شؤون ممارسة السلطة وباقي مستويات البناء الاجتماعي والثقافي للمجتمع.

أسست السلطة منذ مطلع تلك الفترة لما يمكن تسميته «القمع الناعم» الذي يمتد أفقياً بشكل واسع لكنه لا يرتفع عمودياً، بمعنى أنه لم يكن قمعاً دموياً شرساً، فلم تنصب أعواد المشانق للمعارضين ولم تنفذ أحكام إعدام بمحكومين، ورغم أن الأحكام بحق السياسيين كانت تصدر بالأشغال الشاقة، إلا أن المحكومين في تلك الفترة لم يقوموا بأية أشغال من أي نوع، إضافة إلى مرّات العفو المتكررة التي كانت تصدر بين الفينة والأخرى وتشمل عادة المعتقلين السياسيين أو قسماً منهم.

كان الاعتقال مثلاً، يتم على طريقة «فرض الكفاية» لا فرض العين، فقد كان هناك حرص على الاحتفاظ بـ«عيّنة» من السياسيين المعارضين في السجون كي تذكر الناس أن هناك عقوبة على العمل بالسياسة، لكن لم يكن العدد كبيراً مقارنة بـ«السمعة» التي كانت سائدة حول السطوة وشدتها.

كانت أشكال القمع الأكثر ذيوعاً الى جانب الاعتقال هي ما يلي:

حجز جوازات السفر، المنع من العمل في الحكومة، المنع من العمل في القطاع الخاص إذا تمكنت السلطة من ذلك، التهديد بواحدة من العقوبات السالفة الذكر، ممارسة الضغط على المعارض من خلال المجتمع المحيط به، كثرة الاستدعاءات وحالات الجلب الى الدوائر الأمنية، الوصول بالناس إلى حالة يشعرون بها أنهم تحت المراقبة الحثيثة، وأن الحكومة لا تخفى عليها صغيرة أو كبيرة.

يلاحظ هنا أن أغلب هذه الأشكال لينة، لكنها ممتدة أفقياً، بحيث أن الجميع تقريباً كان واقعاً تحت تأثيرها أو تأثير أحدها على الأقل، حتى وإن كان ذلك بسبب الوهم وليس أمراً واقعياً.

جدوى هذه الأشكال يكمن في أنها تترك المعارض المشتغل بالسياسة عرضة للضغط الاجتماعي من المحيطين، من الأهل والأسرة والأقارب والأصدقاء، الذين يرون أنه المسؤول عن غياب مصدر الرزق لمن مُنع من العمل مثلاً هو الشخص نفسه، وحتى بالنسبة للمعتقل فقد اشتهرت العبارة التي تقول: «إن سجنة السياسي بيده، إن شاء يستطيع غداً أن يغادر» في إشارة الى الاستجابة للتنازل المطلوب.

من هنا الحديث عن «القمع الأفقي» الناعم الذي يطال أغلب فئات المجتمع بتفاوت، دون أن يحدث أذىً عمودياً عميقاً أو حالة من «كسر العظم» مع السلطة كما هي الحال في العديد من البلدان، ولهذا الأمر بعض الإيجابيات على صعد مختلفة، لكنه بالطبع لا يخلو من سلبيات، إذ يوسع دائرة الخوف تجاه أكثر الأمور بساطة.

هذا هو ما شكّل الأرضية العامة لحالة الخوف من السلطة التي ما زلنا نعيشها لليوم، وما زالت تُختزن في ذاكرة الناس، وتشكل أرضية لعلاقتهم بالسلطة، لكن لا بد من المرور على فترة نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وتحديداً الفترة ما بعد هبّة نيسان 1989.

الفرصة الضائعة

إن الجو الذي خلقته هبّة نيسان وما تلاها من أحداث، كان يمكن أن يشكل مناسبة للتأسيس لتنمية سياسية حقيقية والوصول الى مستوى عالٍ من المشاركة السياسية، ذلك أن الناس في تلك الفترة قطعوا مع الشكل السابق للعلاقة مع السلطة، ولكن هذه المرة - وإلى درجة كبيرة - بالتوافق مع هذه السلطة وليس بالصراع معها، والحديث هنا عن فترة ما بعد الهبّة، ذلك أن الهبة ذاتها شهدت أقصى درجات المواجهة وبالذات في جنوب الأردن.

لقد نفض الناس آنذاك كل ما توارثوه من خوف، ويذكر المتابعون تلك الأشهر التي كانت متخمة بالمبادرات في كل المدن والبلدات والقرى والمخيمات وحتى على مستوى الأحياء والحارات، وآلاف الهيئات واللجان وما أصدرته من نشرات وما عقدته من شتى أنواع اللقاءات.. إلخ.

وبدلاً من أن تأتي عمليات تنظيم هذا الوضع ومأسسته بالتناغم مع هذا الجو سعياً الى الاستفادة من عناصره الإيجابية، انتصرت الحكومة لميلها الطبيعي لأن تكون طرفاً مهاباً. ما زال طرياً في الأذهان النقاش الذي دار في السنوات التي تلت حول: هل الديمقراطية حق اكتسبه الناس بكفاحهم،أم هي منحة من السلطة تستطيع العودة عنها متى تريد.

سرعان ما عاد الناس الى ما تختزنه ذاكرتهم ولم يغب إلا زمناً قصيراً، وأخذ الناس ينظرون الى العمل السياسي العلني وكأنه «فخ»، واقتصر العمل السياسي على أولئك الذين يعتبرونه إحدى «عاداتهم»، أو هي «ظروة» كما عبر أحد المواطنين عندما سُئل عن رأيه بالعمل الحزبي فقال: «هناك ناس ظاريين على الأحزاب وناس مش ظاريين عليها».

(1) رشيدات، نبيه: أوراق ليست شخصية، دار الينابيع، دمشق، 2001، ص 42.

(2) زيادين، يعقوب: البدايات، دار ابن خلدون، بيروت، 1980.

القمع الناعم
 
01-Jan-2009
 
العدد 57