العدد 56 - أردني
 

سعد حتّر

2008، العام الذي يطوي أيامه الأخيرة، شهد معركة كسر عظم بين مراكز قوى وصلت ذروتها في الخريف بإزاحة باسم عوض الله عن رئاسة الديوان الملكي في الأردن، بينما تنتظر الأوساط السياسية التعديل الأول على حكومة نادر الذهبي بعد 13 شهراً على تشكيلها. أسعار النفط «لسعت» مَحافظ غالبية الأردنيين هذا العام، الذي شهد أعلى معدل تضخم منذ سنوات، وموجة غلاء، فاقمها تحريرُ أسعار المحروقات، قبل أن تعاود الهبوط في نهاية الصيف.

سياسياً، فتحت السلطات الأردنية قنوات اتصال معلنة على مستوى استخباراتي-أمني مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد تسعة أعوام من طرد خمسة من قادتها. في سياق متصل، انفرجت العلاقة بعد سنوات من التأزم بين الحكومة وجماعة الإخوان المسلمين، التي انبثقت «حماس» الفلسطينية من ثنايا جناحها الغربي في قطاع غزّة قبل 21 عاما. بعد سلسلة اجتماعات وحوارات ساخنة في عمّان، قرّرت حركة فتح بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس الشهر الماضي إرجاء مؤتمرها السادس، الذي كان مقررا مبدئيا أواخر العام الحالي، إلى العام المقبل. وأكد عدد من قياديي الحركة أنهم أجّلوا المؤتمر إلى حين انتهاء الانقسام الفلسطيني.

في موازاة ذلك، تحسنّت العلاقات مع كل من سورية وقطر بعد سنوات من الجفاء لامس حدود القطيعة مع الدوحة، على خلفية سياسة المحاور والتحالفات الخفية، التي اتجهت للتفكك مع خروج إدارة الرئيس جورج بوش الجمهورية من البيت الأبيض. إذ زار العاهل الأردني عبد الله الثاني الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر، فيما تتواصل اللقاءات السورية-الأردنية وصولا إلى قمّة مرتقبة في العاصمة الأردنية، بعد أن زار رئيس الوزراء نادر الذهبي دمشق الشهر الماضي.

أمنيا، خلا الأردن من أي تفجيرات أو هجمات لدوافع إرهابية وسط معلومات عن تراجع وتيرة التهديدات التي تشكّلها خلايا إسلامية متطرفة. وتسربت معلومات لم تعلن رسميا بعد عن إحباط مخطط إرهابي ضخم في الخريف كان سيستهدف مؤسسات حيوية والسفارة الأميركية في عمان.

رغم الإجراءات الأمنية المشدّدة عقب تفجيرات عمّان التي أوقعت 60 قتيلا خريف 2005، وقعت حادثتا اعتداء على سياح في وسط عمّان. في الأولى نجا مواطن ألماني من الموت بعد أن تعرض للطعن في منتصف آذار/مارس، وفي الثانية أطلق شاب النار على فرقة موسيقية لبنانية فجرح ستة أشخاص قبل أن ينتحر برصاصة في الرأس.

في آذار/مارس، أفرجت المخابرات العامة عن عصام البرقاوي الملقب بأبي محمد المقدسي، منظر الحركة السلفية الجهادية والأب الروحي لزعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي، وذلك بعد ثلاث سنوات من احتجازه احترازيا بدون محاكمة.

دماء على الطرق

بدأت السنة بتدهور حافلة أودى بحياة 20 راكبا على طريق جرش، وانتهت بسلسلة حوادث خلال عطلة عيد الأضحى أسفرت عن مقتل 20 شخصا غالبيتهم من الشباب. هذه الخاتمة بدّدت الآمال بانخفاض حوادث السير في بلد شهد مقتل ثمانية آلاف شخص وإصابة قرابة 200 ألف على الطرق خلال العقد الماضي.

مرّ عبر عمّان في رحلة الوداع الأخير جثمانا شخصيتين فلسطينيتين؛ الأول أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش الذي دفن هنا بعد 38 عاما من طرده على خلفية المواجهات بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية المسلحة، والثاني الشاعر المهاجر محمود درويش الذي عبر جثمانه إلى رام الله- محطته الأخيرة.

المحروقات صعوداً وهبوطاً

بعد أسابيع من التمهيد، رفعت الحكومة الأردنية أسعار الوقود للمرة السادسة في أقل من أربعة أعوام. تلا ذلك سلسلة ارتفاعات شهرية في أسعارها تماشيا مع سعر النفط الذي قفز عالميا إلى 147 دولارا للبرميل. ثم اتجه منحى الأسعار للهبوط تدريجيا إلى المعدل الذي كان سائدا في السابق، ما نزع فتيل تضخم كاد يودي بقطاعات إنتاج عدة، بخاصة الصناعة والنقل.

في سابقة، أبعد الأردن قساوسة ونشطاء مسيحيين تابعين لفرق إنجيلية تدور في فلك كنائس أميركية أو أوروبية. لكن السلطات الأردنية وافقت على عودة مشروطة لعدد منهم.

الأردن، المرتبط بعلاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، استضاف تباعا كلا من المرشح الجمهوري جون ماكين والديمقراطي باراك أوباما- الرئيس الأميركي المنتخب. وأظهرت استطلاعات الرأي تعاطفا كبيرا بين الأردنيين مع أوباما الأسود من أب كيني مسلم.

اقتصاديا، اشترت المملكة 2.4 مليار دولار، أي نصف دينه المستحق لعشر دول دائنة في نادي باريس وبسعر خصم 11 في المئة، وبالتالي وفّر 277 مليون دولار، وخفض حجم دينه الخارجي من 7.4 مليار إلى خمسة مليارات دولار.

على أن مئات الأردنيين قد يخسرون ملايين الدنانير نتيجة تعاملهم مع شركات وهمية ادعت أنها تتعامل بالبورصات العالمية. تحركت محكمة أمن الدولة لتوقيف و/أو تجميد أموال العشرات من أصحاب الشركات على أمل إنقاذ واسترداد مدخرات المتعاملين بالبورصة، والتي قدرت بـ700 مليون دولار. ذيول هذه الفضيحة المالية ستلقي ظلالها على اقتصاديات الأسر الأردنية لسنين قادمة.

السجون والشغب

في الربيع، وقعت أعمال شغب في مركز إصلاح وتأهيل سواقة- أكبر سجون الأردن العشرة- وذلك بعد يوم من مقتل ثلاثة سجناء في سجن الموقر (45 كيلو مترا شمال شرق عمان) في غمرة أعمال شغب احتجاجا على فصل سجناء من تنظيم القاعدة عن سائر النزلاء. أصيب في تلك المواجهات عشرات السجناء.

بدخول قانون الأحزاب الجديد حيز التطبيق في نيسان/إبريل الماضي، اتجهت نصف أحزاب الأردن الـ36 لحلّ نفسها، بعد أن أخفقت في تصويب أوضاعها طبقا لشروط القانون الجديد.

في حزيران/يونيو، اتفق الأردن والعراق على تجديد اتفاق نفطي لثلاث سنوات قادمة، وذلك بعد أن ظلّ مجمدا منذ إبرامه في العام 2006. جاء ذلك خلال زيارة رئيس وزراء العراق نوري المالكي إلى عمّان. كان الأردن والعراق وقّعا مذكرة تفاهم في منتصف آب/ أغسطس 2006، كان يفترض أن يزود العراق بموجبها الأردن بـ10 في المئة من احتياجاته بأسعار تفضيلية، ترتفع لاحقا إلى ثلث استهلاكه المقدر بـ100 ألف برميل يوميا.

شحنات النفط وصلت أواخر أيلول/سبتمبر، لكن بوتيرة منخفضة، وذلك بعد ستة أعوام من انقطاع إمدادات النفط العراقي، التي كانت تغطّي كامل احتياجات الأردن. بذلك أضحى الملك عبد الله الثاني أول زعيم عربي يزور بغداد منذ العام 2003، فيما عين الأردن سفيرا لدى العراق بعد انقطاع خمسة أعوام. التقارب الأردني-العراقي تجلّى أيضا في إعادة 2600 قطعة أثرية نفيسة إلى بغداد بعد أن ضبطتها الأجهزة الأمنية الأردنية في سياق إحباط 22 محاولة تهريب عبر أراضيها خلال السنوات الماضية. وأكد وزير السياحة والآثار العراقي محمد عبّاس أن بلاده استعادت حتى الآن 8500 من 15000 قطعة من الآثار النفيسة التي نُهبت وهُرِّبت خلال السنوات الخمس الماضية.

في آب/ أغسطس، أفرجت الحكومة الأردنية عن أربعة من مواطنيها كانت احتجزتهم في أحد سجونها، بموجب شرط الإفراج عنهم من سجون إسرائيل بعد 16 عاماً من الأسر على خلفية استهداف وقتل إسرائيليين. هذا القرار أثار استياء إسرائيل التي كانت تفضّل بقاء الأربعة في السجن لحين انتهاء مدّة محكوميتهم مطلع العام المقبل.

في تشرين الأول/أكتوبر، جدّدت منظمة «هيومان رايتس ووتش» اتهام سلطات السجون الأردنية بممارسة التعذيب على نطاق واسع دعت الدول المانحة لربط مساعداتها للأردن بتحسين سجل التعذيب في السجون. كبير الباحثين في المنظمة كريستوفر ويلكي قال في مؤتمر صحافي إن التعذيب ما يزال «منتشرا على نطاق واسع وروتيني في سجون الأردن لكن ليس بمنهجية».

بقعة ضوء في البترا

في العاشر من الشهر نفسه، استضافت البترا الحجرية جنوبي الأردن، تأبينا وحفلا خيريا دوليا في ذكرى ميلاد فنان الأوبرا الايطالي العالمي لوتشانو بافاروتي، الذي قضى في السادس من أيلول/ سبتمبر الفائت. اقتصرت مراسيم التأبين على زهاء 100 شخصية عالمية في حقل السياسة والمال والأعمال الخيرية في مقدمتهم الأميرة هيا ابنة الحسين، شقيقة الملك عبد الله الثاني وعقيلة حاكم دبي الأمير محمد بن راشد آل مكتوم.

رئيس الوزراء الأردن نادر الذهبي، الذي استعاد ولاية الحكومة الدستورية بعد إزاحة رئيس الديوان الملكي السابق، زار دمشق أواخر الشهر الماضي، ونجح في إعادة ثلاثة أردنيين كانوا اعتُقلوا داخل الأراضي السورية قبل أسابيع عدة. قبل ذلك زار العاصمة السورية رئيس الديوان الملكي الجديد ناصر اللوزي ومدير المخابرات العامة الفريق محمد الذهبي.

الأردن يدخل 2009 بحكومة «معدلّة» وسط قناعة باضمحلال فرص السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وتوقعات بانكماش أو تباطؤ اقتصادي على خلفية تسونامي أسواق المال العالمية.

بدايته دماء بالجملة على الطرق وختامه حوادث أودت بـ 20 شخصاً .2008: عام فضيحة “البورصة العالمية” وارتفاع أسعار المحروقات وهبوطها
 
25-Dec-2008
 
العدد 56