العدد 55 - أردني
 

محمد علاونة

تشير سجلات وزارة الشؤون البلدية إلى أن عدد العاملين في بلدية الزرقاء يناهز 3600 موظف، وبذلك فان عددا مقاربا من الأسر في محافظة الزرقاء يعتمد في معيشته على المرتبات التي تدفعها البلدية لموظفيها والتي تناهز في مجموعها 10 ملايين دينار. غير أن توفير معيشة كل هؤلاء الموظفين يأتي على حساب الواجبات الخدمية للمواطنين، والتي وجدت البلدية نفسها عاجزة عن تقديمها، فمجموع المرتبات التي تقدمها بلدية ثاني أكبر مدينة في المملكة لموظفيها يستهلك نصف موازنة البلدية البالغة 20 مليون دينار.

محافظة البلقاء، في المقابل، تعيش واقعا مختلفا تماما، فهذه المحافظة التي تضم خمسة ألوية، وتتبعها 9 بلديات ويعمل في خدمتها نحو 1761 موظفا هم مجموع موظفي تلك البلديات، تتمتع بموازنة مقدارها 50 مليون دينار.

ربما كانت هذه المقارنة ضرورية لإلقاء الضوء على الواقع الذي تعيشه البلديات في المملكة والتي تشترك جميعا، ما عدا استثناءات قليلة، في أنها مثقلة بمديونيات يتفاوت حجمها بين بلدية وأخرى، أما أسباب ذلك فمتنوعة، ففي حين أن نسبة الرواتب مقابل الإيرادات في بلدية الزرقاء تناهز 50 في المئة، تتجاوز هذه النسبة 107 في المئة في بلدية المفرق الكبرى، أما بلدية معان الكبرى في محافظة معان، فتعاني عجزا مقداره 850 ألف دينار، ولكنها ليست مدينة، في حين أن بلديات "الجفر" و "أيل الجديدة» و«الأشعري» و «الشوبك الجديدة» و «الحسينية الجديدة» و «الشراه»، وجميعها تابعة للمحافظة، فلا تعاني من أي عجز يذكر.

وتتفاوت قيم موازنات البلديات من إيرادات ونفقات وديون، بحسب حجمها ومقدار انجازاتها، مع وجود فروق كبيرة بين أعداد العاملين فيها، ما يجعل هذا العجز وتلك الديون انعكاسا لخلل التحصيل وفوضى النفقات في عدد منها.

وإذا كانت الحكومات تلجأ لزيادة الضرائب وتسعى للمساعدات لسد عجز موازنات الدولة مع تجاوز قيمة النفقات للإيرادات، فإن البلديات تبقى غير قادرة على تسديد عجز موازناتها وديونها، ما يزيدها ارتفاعا، إذ وصلت نحو 60 مليون دينار للعام الجاري، ويرافق ذلك كله تدن في الخدمات، ما يثير شكاوى من تقصير تلك البلديات في تقديم واجباتها.

وبما أن البلديات كانت تعتمد في إيراداتها على الرسوم والضرائب، وهي ميزة فقدتها بعد إقرار قانون دمج البلديات في 2001، حتى بات مصدر دخلها الوحيد هو تأجير المحال التجارية والأسواق الشعبية وبدلات القرى السياحية ومواقف المركبات، فإن أي زيادة في النفقات قد يعيق عملها ويقف عائقا أمام تقديم خدمات مقبولة.

كما أن كف يد البلديات عن تحصيل إيرادات متأتية من قطاعات حيوية مثل: الصحة والتعليم والنقل والسياحة، تماشيا مع آلية الدمج، قد أدى إلى تقليص كثير من الإيرادات التي أخذت في التدفق مباشرة إلى خزينة الدولة من خلال هيئات مستحدثة مثل قطاع تنظيم النقل والاتصالات. وقد أدى ذلك إلى وضع باتت فيه البلديات التي تحتاج لأموال إضافية لغايات تحسين الخدمات، تعاني من ارتفاع ملحوظ في عجز موازناتها بسبب تقلص إيراداتها، مع تخلف شريحة عن تسديد المستحقات من جهة، والتهام رواتب الموظفين الذين تزداد أعدادهم من جهة أخرى.

الأداة المالية الوحيدة المشتركة التي بقيت ما بين البلديات والحكومة، إضافة إلى مباني الدوائر التي تؤجرها البلديات للحكومة، هي بنك تنمية المدن والقرى، الذي منح منذ تأسيسه عام 1979 حتى الآن نحو 216 مليون دينار قروضا للبلديات.

وزير البلديات الأسبق عبد الرزاق طبيشات، أفاد بأن المخالفات موجودة في عدد من البلديات، سواء كان ذلك عبر تجاوزات في حجم التعيينات، أو في غض الطرف عن بعض البنود في تعاملات التحصيل.

بيد أن طبيشات لا يرى أن المديونية يمكن أن تشكل عبئا على البلديات لو كان لها القدرة على التسديد، وهو أوضح أن حكومات سابقة قد توسعت في إقراض تلك البلديات رغم معرفتها المسبقة بقدراتها وإيراداتها.

وهو ما أكده المدير العام لبنك تنمية المدن والقرى عبد الإله الحنيطي الذي أشار إلى أن ديون البلديات تعتبر من المظاهر الصحية في ظل حاجتها لإنشاء مشاريع إنتاجية وخدمية.

لكن الحنيطي نبّه إلى أن ديون البلديات كافة مضمونة، وبخاصة مع وجود عوائد المحروقات، معتبرا تلك الديون ضمن المعدلات المعقولة بعد إقرار عملية الدمج.

وفيما يتعلق بالكادر الوظيفي الذي يثقل كاهل موازنات تلك البلديات، لم يخف طبيشات، الذي شغل أيضا منصب رئيس بلدية إربد لمدة 12 عاما قبل 1993، أن كثيرا من التعيينات باتت في إطار ما وصفه بـ «المصلحة المتبادلة».

وطالب بوجود ضوابط للتعيين، مستذكرا أنه تم وضع مثل تلك الضوابط عندما شغل منصب وزير الشؤون البلدية والقروية أربع مرات، لكنه في إجابته عن سؤال حول دور الوزارات المتعاقبة في الحد من ذلك اكتفى بالقول «إن بعض الممارسات من قبل الوزراء كانت شبيهة، إلى حد ما، بتلك التي يمارسها رؤساء البلديات».

وتتلقى البلديات دعما حكوميا كل عام وما يعرف بـ « حصة البلديات من عوائد المحروقات»، والتي بلغت في العام الجاري نحو 106 ملايين دينار؛ بما فيها أمانة عمان الكبرى، حيث تخصص الدولة، بموجب قانون، نسبة معينة من عوائد بيع المحروقات في المملكة إلى البلديات.

واعتبر قطيشات أن المبلغ المعلن من قبل الحكومة معقول، لكنه شكك بالنسبة التي تمنحها الحكومة، والتي أفصحت عنها في وقت سابق، والبالغة 6 في المئة، بقوله « إن المبلغ المقدر أقل من ذلك بكثير».

وإذا كانت موازنات البلديات أظهرت انخفاضا في مديونيتها في 2002 وهو العام الذي تلا عملية الدمج، فإن تقريرا صادرا عن ديوان المحاسبة خلال العام 2005، أكد أن انخفاض مديونية البلديات لم يكن نتيجة لتحسن أوضاعها المالية أو نمو في إيراداتها المالية أو زيادة في مشاريعها الاستثمارية، وإنما كان نتيجة للدعم الحكومي المباشر المقدم لتسديد المديونية.

وبيّن التقرير أن مديونية البلديات أخذت بالتزايد بعد الدمج بين عامي 2001 و2003 وبنسبة 22 في المئة نتيجة لاعتمادها على التمويل من خلال القروض.

طبيشات رد مسألة النجاح أو الإخفاق في عمل البلديات إلى القيادات التي تسيرها ومدى القدرة التي تتمتع بها في إدارة موازناتها، ولكن من دون إغفال دور وزير البلديات الذي أكد أن من الضروري أن تكون لديه المعرفة التامة بعمل القطاع بشكل عام.

موازنات البلديات: عجز وديون نتيجة خلل في التحصيل وفوضى الإنفاق
 
14-Dec-2008
 
العدد 55