العدد 50 - كتاب
 

دخلت الأزمة المالية العالمية مرحلة جديدة، بعد أن أصبح واضحا أنها مرت بأسوأ مراحلها وتجنب وقوع انهيارات متتالية في الأسواق العالمية بقيادة الولايات المتحدة، وبدأ البحث عن بدائل لسياسات تباطؤ الطلب وسيادة حالة الانتظار في الأسواق.

هناك بدائل محدودة أمام صناع السياسة الاقتصادية، تتمثل بالسياسة النقدية التي تتعلق بأسعار الصرف والفائدة، فيما الجانب الآخر يتعلق بالسياسات المالية والإنفاق العام والضرائب. معلوم أن كل طرف (وزارة المالية والبنك المركزي) يحدد أهدافه بشكل مستقل، ويقرر ما الذي يجب فعله حيال الوضع الاقتصادي، فمن جهة يهم وزارة المالية تحديد العجز في الميزانية وعدم إثقال الاقتصاد بالضرائب، فيما يركز البنك المركزي على مكافحة التضخم. بين هذين الهدفين يبقى هدف النمو الضمني، الذي من شأنه توفير فرص العمل وتشجيع الصادرات وعكس ذلك على جميع المواطنين.

حتى الآن في الأردن فإن الاستجابة للأزمة المالية العالمية لم تتجاوز ردود الأفعال، والتأكيد أن الركود لن يحصل، وأن الاقتصاد الأردني شبه منعزل عن بقية الاقتصادات العالمية، رغم أن نظرة سريعة للاقتصاد الوطني تشير بوضوح إلى أن النشاطات الأبرز في الاقتصاد الوطني (الصناعة التحويلية بما فيها الملابس والصناعات الدوائية، وقطاع التعدين) تعتمد بشكل كبير على أسواق الصادرات، التي من المرجح أنها تتراجع بسبب الركود في الطلب العالمي.

ولما كانت السياسة النقدية لا تتمتع بالمرونة الكافية، فإن أمام الحكومة التي تطرح مشروع موازنة العام المقبل، خيار تحفيز الاقتصاد والتحوط من المتغيرات شديدة التذبذب، التي ميزت أداء الاقتصادات العالمية خلال الربع الثالث من العام الجاري. فقد بلغت أسعار السلع العالمية مستويات غير مسبوقة خلال الشهور الستة الأولى من العام، وبلغ النفط مستويات باتت تهدد مستقبل الاقتصادات المستوردة للنفط ومن ضمنها الأردن، لكن تلك الأسعار ما لبثت أن تراجعت بشدة، بسبب الركود الذي يهدد الاقتصادات العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة.

فهل تعكس السياسة المالية طبيعة المتغيرات التي يمر بها العالم، وهل السياسة المالية التي تتعلق بالضرائب والإنفاق تشهد تجديداً في محتواها، أم إنها تكرار لما حدث في سنوات سابقة؟ على الأرجح أن الإجابة عن هذه التساؤلات إيجابية، فخطاب وزير المالية لم يتجاوز التأكيد على نسب النمو المرغوب بتحقيقها العام المقبل ونسب العجز في الموازنة والمساعدات تكاد تكون نسخة عن الموازنات السابقة، وليس هناك من إصلاحات ضريبية، والمطروح هو ضريبة دخل لا تستهدف الشرائح الأعلى للدخل أو تطرح بدائل مثل الضريبة على الأرباح الرأسمالية بقدر ما تتعلق بالمزيد من الضرائب على ذوي الدخل المحدود.

فما هو الدور المرتقب أن تلعبه السياسة المالية؟

حتى الآن يصر مسؤولونا على أن الأردن سينجو من كارثة الأسواق العالمية، ولن يعاني من آثار الركود المتوقع في دول مثل الولايات المتحدة واوروبا، وحتى الصين التي تشهد تراجعا في نسب النمو الحقيقي من أكثر من عشرة بالمئة إلى حوالي 7 بالمئة، وهذا النمو في الصين نابع من التوسع في الطلب المحلي، لذلك تنجح دول مثل الصين في استيعاب متغيرات السوق العالمي وتخفيف آثارها. في الأردن ليس هناك رصيد كاف من الاحتياطيات، أو الفائض المالي الذي يمكن أن يوظف لحث الطلب المحلي، ما يجعل صانع السياسة المالية أمام خيارات محدودة أمامه.

قبل الخوض في الخيارات المتاحة، لا بد من أن يأخذ تحليل الأزمة بعداً مختلفاً، فالنفي المتواصل لحدوث الركود لا يعني أنه لن يقع، كذلك فإن غياب الإدراك بقرب وقوعه سيحدد نوعية السياسات المالية والنقدية التي ستتبع.

لا تختلف موازنة العام 2009 من حيث المضمون عن الموازنات السابقة، والحديث فيها لا يختلف عن الحديث في سابقاتها من حيث التحليل المالي البعيد عن ديناميكيات ما يجري. كذلك، ولأسباب غير مفهومة، يسعى خطاب الموازنة لتجميل صورة الوضع الاقتصادي، رغم أن مسؤولية صانع القرار الاقتصادي عن تطورات الشهور العشر الماضية تعتبر محدودة. لكنها كما يبدو طبيعة الخطاب الرسمي، الذي يخشى من فقدان ثقة المواطن رغم عدم مسؤولية الحكومة عن بعض المشاكل أحيانا.

يبقى التساؤل: هل السياسة المالية ناجعة، وهل نضمن استجابة الأسواق لسياسات الخفض الضريبي أو الإعانات أو غيرها من الأدوات المالية، التي يمكن توظيفها في فترات الأزمات المالية؟ في الحقيقة ليس هناك ما يضمن نتائج بعض القرارات، لكننا لا نعرف الإجابة حتى نقوم بتجريب بعض السياسات الاقتصادية، لكن هذا الأمر لا يجري اعتباطيا، بل يستند إلى سيناريوهات وعدد من الافتراضات بناءً على التجارب السابقة.

في الدول التي يتم فيها تداول السلطة، فإن هذه البدائل التي نتحدث عنها هي التي تقرر مصير الحكومات بناء على أداء الاقتصادات، ولعل في انتخابات الولايات المتحدة والبدائل المطروحة من المرشحَين، ما يشير إلى هذا طبيعة الخيارات المتاحة.

ومحليا، فإن خيار عدم فعل شيء، والعمل بمبدأ رد الفعل، هو ما يميز السياسة المالية، وقلة من وزراء المالية في الأردن اتخذوا خطوات استباقية، للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية المحتمة، وكان ذلك في جانب منه جزءا من برنامج التصحيح الاقتصادي.

لا شك أن السياسة المالية تعتبر حساسة ويطال تأثيرها معظم فئات المجتمع، وهي ليست كالسياسة النقدية تؤثر بشكل غير مباشر في المواطنين، فخفض الدعم أو زيادة الضرائب المباشرة يحس بها المستفيد أو المكلف مباشرة، بينما أثر سعر الفائدة يأتي بشكل غير مباشر ويطال فئات معينة دون غيرها، ويبدو أن الكلفة السياسية للتغيرات الضريبية أعلى من عوائدها المتوقعة مع قصر عمر الحكومات. هذه الرؤية قصيرة الأمد تفسر لماذا لا نشهد تغييرات جذرية في السياسة المالية، وعلى الأرجح لن نشهد تغييرات كثيرة في المستقبل القريب، لأن حوافز التغيير أقل بكثير من حوافز الحفاظ على الوضع القائم.

ابراهيم سيف : السياسة المالية تراوح مكانها وإمكانيات التغيير محدودة
 
06-Nov-2008
 
العدد 50