العدد 50 - أردني
 

نهاد الجريري

يعتبر المؤرخون والاقتصاديون يوم 29/10/1929 بداية لما يعرف اليوم بالكساد الكبير الذي امتد حتى العام 1933، ولكن ذيوله بقيت حتى نشوب الحرب العالمية الثانية في أيلول/سبتمبر 1939.

في ذلك الثلاثاء الأسود انهارت بورصة وول ستريت في نيويورك، وخسرت 14 بليون دولار أضيفت إلى خسائر ذلك الأسبوع فوصلت في مجموعها 30 بليون دولار، أي ما قيمته 10 أضعاف الميزانية الفدرالية للولايات المتحدة.

لكن الانهيار لم يكن، في حد ذاته، سببا للكساد الكبير، كما يقول بعض الاقتصاديين، فهناك من يرجح أن ذلك الحدث كان انعكاسا لمجموعة من الأخطاء الاقتصادية التي تعاظمت ذلك اليوم واستمرت من دون تصحيح. ميلتون فريدمان من المدرسة النقدية يقول إن سبب الكساد كان عدم وفرة السيولة، وهي مسؤولية يضطلع بها بنك الاحتياطي الفدرالي، الذي لو اتخذ إجراءات فورية لاحتوى الأزمة، ولكان الكساد عادياً من دون أن يتطور إلى الكساد الكبير الذي شهدته تلك الفترة. أما إيرفينغ فيشر وهو من أنصار النظرية الكلاسيكية الحديثة فيقول إن السبب كان زيادة حجم الدين والانكماش.

هنالك ما يشبه الإجماع على أن جذور المشكلة بدأت مع بداية عقد العشرينيات، فبعد الحرب العالمية الأولى سادت في الولايات المتحدة نزعة نحو "الثراء" وتعمقت نزعة الاستهلاك في المجتمع مع ظهور حراك اجتماعي وثقافي وفني متميز أسبغ على هذه الفترة لقب "العشرينيات الصاخبة" Roaring Twenties. فازدهرت موسيقى الجاز، وظهرت المرأة بشكل جديد: تلبس التنانير القصيرة، وترتاد المقاهي وتدخن السجائر. كما سادت موجة جديدة من التصميم الفني "Art Deco"، جمعت بين أكثر من نمط من التصميم مثل التكعيبية والتكوينية والحداثة. ظهر تأثيرها في العمارة (مثل مبنى "كرايسلر" في نيويورك)، والفن التشكيلي، والتصميم الداخلي وتصميم المجوهرات والسيارات وحتى في السينما.

في تلك الفترة، زاد حجم الإنتاج الذي كان لا بد أن يقابله حجم من الطلب والاستهلاك. فكان لا بد من إقناع الناس بالتخلي عن مبدأ التوفير والاقتصاد وعدم تأجيل الاستمتاع "بمسرّات" العقد الجديد. فسادت الإعلانات التي تحرض على شراء السيارات والاختراعات الجديدة مثل الراديو وغيره من الأدوات المنزلية. نتج عن ذلك استهلاك جماعي أبقى الاقتصاد نشطا طوال فترة العشرينيات.

لكن المشكلة كانت أن دخول الأميركيين لم تكن موزعة بشكل متكافىء، وتركزت الثروة في طبقة واحدة من الأميركيين. فبينما حققت الأعمال والصناعات أرباحا مذهلة في الإنتاج، كان العمال يأخذون نسبة ضئيلة من الثراء. فما بين عامي 1923 و1929، زاد إنتاج التصنيع للفرد أو للساعة بنسبة 32 بالمئة، فيما لم تزد أجور العمال أكثر من 8 بالمئة.

إضافة إلى ما تقدم، كانت هنالك عوامل أخرى ساهمت في تطور الأوضاع إلى حالة الكساد غير المسبوقة حتى ذلك الحين. فالزراعة شكّلت آنذاك ربع الاقتصاد الأميركي، كانت تعاني كسادا في العشرينيات، نتيجة للزيادة في الإنتاج الزراعي خلال الحرب العالمية الأولى عندما كان الطلب على المنتجات الزراعية عالياً وكان إنتاج أوروبا منخفضاً. بعد الحرب، انخفضت الأسعار مع زيادة الإنتاج في الأسواق العالمية.

في 5/9/1929، ألقى الاقتصادي روجر بابسون خطاباً قال فيه: إن السوق مقبلة على انهيار. بابسون كان يحذر من الانهيار قبل ذلك بعامين. لكن المستثمرين أنصتوا إليه هذه المرة.

يوم الخميس 24/10/1929 خسرت السوق المالية 5 بلايين دولار. ويوم الاثنين 28/10/1929، تواصلت الخسارة والذعر في أوساط المستثمرين وهبط مؤشر السوق بنسبة 22.6 بالمئة. اليوم التالي الثلاثاء 29/10/1929، حاول كل المستثمرين بيع أسهمهم دفعة واحدة. بيع أكثر من 16 مليون سهم، وسجلت السوق خسارة بلغت 14 بليون دولار في يوم واحد وهبط المؤشر 33 نقطة أي ما يزيد على 12.8 بالمئة.

تزامناً مع انهيار البورصة، أخفقت البنوك من ناحيتين. فمنها من كان مستثمراً في السوق. ومنها من تعرض لعمليات سحب جماعية. فقد أدرك المستثمرون أن الكثير من المُقترضين، سواء مؤسسات أو أفراداً، لم يعودوا قادرين على تسديد ديونهم المستحقة للبنوك، ما أثار الرعب في أوساط المودعين الذين حاولوا سحب إيداعاتهم. خلال الأشهر العشرة الأولى من 1930، أعلنت 744 بنكاً أميركياً الإفلاس. وبحلول 1933، خسر المودعون ما مجموعة 140 بليون دولار كودائع.

خسر الملايين أعمالهم ومدخراتهم. وحجزت البنوك على منازلهم ومزارعهم وتشردوا فسكنوا في أكواخ من الخشب فيما صار يعرف "بمدن الأكواخ" أو أحيانا ما تعرف بـ"هوفرفيل" نسبة إلى الرئيس الأميركي آنذاك هيربرت هووفر الذي رفض اتخاذ إجراءات لاحتواء الأزمة في بدايتها.

**

نيويورك: التفاحة الكبيرة

ما بين 1929-1932، أفلست مئات الصناعات وتقلص إنتاجها إلى النصف، كما زادت البطالة إلى 24.9 بالمئة ما يعني أن أكثر من 15 مليون أميركي كانوا متعطلين عن العمل. تحوّل الآلاف إلى تلميع الأحذية أو إلى بيع التفاح على "بسطات"، وكان التفاح من أهم المحاصيل الزراعية في الولايات الأميركية الشرقية، وبخاصة نيويورك. وكان البائع يجني دولاراً واحداً في اليوم من بيع 70 حبة تفاح. وكان ذلك يعتبر ربحاً كبيراً أيام الكساد!

الكساد الكبير 1929: نزوع الأميركيين
 
06-Nov-2008
 
العدد 50