العدد 44 - دولي
 

صلاح حزين

بعد شهور طويلة من الفراغ السياسي الذي شهدته زيمبابوي، اتفق الطرفان؛ حزب زانو الحاكم، بقيادة رئيس البلاد المخضرم روبرت موغابي، والمعارضة، بقيادة القائد النقابي السابق وزعيم المعارضة مورغان تشفانغراي، على تقاسم السلطة في البلاد، بعد أن عزت سبل الخروج من الأزمة السياسية التي دخلتها البلاد بعد الانتخابات النيابية والرئاسية التي جرت قبل نحو أربعة أشهر، ولم تسفر عن فوز واضح لأي من الطرفين.

كانت الانتخابات التشريعية قد أسفرت عن فوز المعارضة بقيادة حزب الحركة الديمقراطية من أجل التغيير بقيادة مورغان تشفانغراي، بأغلبية ضئيلة، 51 في المئة من مقاعد البرلمان، في حين انسحب مرشح المعارضة، تشفانغراي نفسه، من الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة بعد أن أخفق أي من الطرفين، الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، من حسم الانتخابات في جولتها الأولى، والتي جرت في أجواء من الترهيب، التي اتهم حزب المعارضة الرئيسي أنصار الرئيس موغابي باستخدامه لإرغامها على الانسحاب من الانتخابات الرئاسية، وهذا ما حدث فعلا، فانسحب تشفانغراي ليترك موغابي يفوز بالتزكية بجولة رئاسية جديدة، هو الذي حكم البلاد منذ استقلالها عام 1980.

وعلى الرغم من عين الشك التي قوبل بها اتفاق تقاسم السلطة، من جانب الدول الأوروبية، وبريطانيا في صورة أساسية، فإن استمرار اتفاق تقاسم السلطة في كينيا، التي عاشت وضعا مشابها قبل ذلك، وتماسك الاتفاق حتى الآن، يعطي أملا في قدرة اتفاق هراري لتقاسم السلطة على البقاء، فضلا عن أن طرفي النزاع قد وجدا في الاتفاق، الذي كان قد سعى إليه وواصل العمل من أجله رئيس جنوب إفريقيا ثابو مبيكي، الوسيلة الوحيدة للخروج من الأزمة المستعصية التي فاقمها عناد الرئيس موغابي المدعوم من الجيش ومن «المحاربين القدماء» الذين يحظون بنفوذ كبير في البلاد، في حين أن المعارضة، التي تستحوذ على أكثر من نصف مقاعد البرلمان، تبدو عاجزة عن حسم الأمور في أي اتجاه بقوة جماهيرها فقط.

حضر حفل توقيع الاتفاق الذي تم في أحد فنادق هراري، عدد من القادة الأفارقة، بينهم الرئيس التانزاني جاكايا كيكويتي، الذي يشغل منصب رئيس الاتحاد الإفريقي، والذي كان أشد القادة الأفارقة انتقادا لموغابي، كما حضره رئيس جنوب إفريقيا ثابو مبيكي الذي توسط طويلا من أجل الوصول للاتفاق، الذي ينص على أن يكون هناك مجلسان للوزراء الأول: برئاسة زعيم المعارضة السابق، تشفانغراي والثاني برئاسة موغابي، الأول هو الذي يمثل الحكومة، والثاني يمثل مرجعية للأول، بحيث يبقى موغابي هو المرجعية النهائية للمجلسين، وفيما حمل المجلس الأول اسم «المجلس» حمل الثاني اسم «مجلس الوزراء». وبدلا من قيادة العمليات المشتركة، التي تضم رؤساء الأجهزة الأمنية، سوف يشكل مجلس للأمن القومي.

وهذا يعني أن تشفانغيراي تحول من زعيم للمعارضة إلى رئيس للوزراء في حكومة من 31 وزيرا، يمثل فيها حزب زانو الحاكم الذي يرأسه موغابي 15 وزيرا، فيما يمثل الحركة الديمقراطية من أجل التغيير 13 وزيرا، أما الحقائب الثلاث الباقية، فكانت من نصيب فصيل معارض صغير، كان في الأساس جزءا من الحركة الديمقراطية من أجل التغيير، ولكنه انشق عنها بقيادة أرثر موتامبارا الذي حصل أيضا على منصب نائب رئيس الوزراء.

الاتفاق أعطى الرئيس موغابي سلطات واسعة، فضلا عن أن أنصاره سوف يحتلون المناصب الرئيسية، فرئيس البلاد، ينتمي إلى المحاربين القدماء، وهو مقرب من موغابي، وقائد الجيش ذو النفوذ الكبير سوف يبقى في منصبه أيضا، في مقابل حصول الحركة الديمقراطية من أجل التغيير على قيادة الشرطة، وهو جهاز حيوي على أي حال.

وعلى الرغم من السلطات الكبيرة التي بقيت في أيدي موغابي، فإن مجرد فكرة التخلي عن جزء من سلطاته شبه المطلقة، والتي حكم البلاد من خلالها بيد من حديد لما يقارب العقود الثلاثة، تعتبر إنجازا كبيرا بالنسبة للمعارضة التي تمكنت من كسر احتكار السلطة بعد كل تلك السنين.

اتفاق تقاسم السلطة بين الحكم والمعارضة، في حال استمراره، يمثل فرصة فريدة للبلاد لكي تخرج من أزمتها السياسية الناجمة عن الاستقطاب الحاد بين الحكم والمعارضة، ولكن المشكلة الأكبر التي ستجد لها حلا في هذا الاتفاق هي المشكلة الاقتصادية، فاقتصاد زيمبابوي الذي كان يوما اقتصادا مزدهرا، أصابه ما يشبه الدمار، فقد وصل التضخم نسبا غير مسبوقة في العالم أجمع، إذ يقدر التضخم بنحو 11 مليون في المئة، ما جعل مئات الآلاف من السكان يغادرون البلاد هربا من الأوضاع الاقتصادية السيئة. وسوف يكون على الحكومة المقبلة أن تحل مشاكل الفقر والبطالة والغلاء ونقص المواد الغذائية والوقود.

دول الاتحاد الأوروبي، التي رحبت، وإن بتحفظ، على اتفاق تقاسم السلطة، أبدت استعدادها لمساعدة زيمبابوي على التغلب على أزمتها الاقتصادية، وربطت ذلك باتخاذ الحكومة الجديدة إجراءات لإعادة الديمقراطية للبلاد.

وأبدى صندوق النقد الدولي استعداده لتقديم المساعدات للبلاد على لسان المدير الإداري للصندوق دومينيك شتراوس كان، الذي أعلن أن الصندوق مستعد لمناقشة سياسات البلاد الهادفة إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين الأوضاع الاجتماعية للسكان وتخفيض نسب الفقر.

في خطابه الذي ألقاه في حفل التوقيع على الاتفاق قال تشفانغراي إنه وقع الاتفاق «لأن إيماني بزيمبابوي وشعبها أعمق من جراجي التي تحملهتا أثناء النضال، ولأن أملي في المستقبل أقوى من حزني على المعاناة غير المبررة في السنوات الماضية.»

أما موغابي، فقد كرر ما كان يقوله أثناء حملته الانتخابية من أن بريطانيا، لم تكف عن التآمر عليه لإسقاطه. وانطلاقا من هذه النقطة تشبث موغابي في الاتفاق بعدم عودة المزارعين البيض الذين أممت مزارعهم، إلى أراضيهم التي انتزعت منهم خلال السنوات العشر الماضية.

لقد بقيت لموغابي اليد الطولى في الحكم بموجب الاتفاق الجديد، ولكنه لم يعد بعد الاتفاق الحاكم المطلق للبلاد الذي كانه على مدى 28 عاما.

اتفاق هراري يكسر احتكار موغابي للسلطة في زيمبابوي
 
18-Sep-2008
 
العدد 44