العدد 43 - أردني
 

رجل عجوز يتحدث بصوت مرتفع ويجاهد ليسمع من يحادثه على الجانب الآخر من الخط، شاب يحدث فتاة بصوت منخفض لا يسمعه أحد، فتاة تنهمك في كتابة رسالة قصيرة في حين يتبادل أطفال صغار أجهزتهم الخلوية ليبحث كل منهم في جهاز الآخر عن صور وأغانٍ ليتراسلوها. هذا هو حال مجتمعنا "الخلوي" اليوم، فالانتشار الهائل الذي حققته الهواتف النقالة في الفترة الأخيرة، نشاهده واضحاً في شوارعنا وبيوتنا وأماكن عملنا.

يوجد في الأردن أربعة مشغلات للهاتف النقال، تقدم خدماتها لـ 5 ملايين مشترك، وبالنسبة لعدد السكان فإن 86 بالمئة من أهل الأردن يملكون أجهزة خلوية، في حين بلغ حجم إيرادات الشركات المشغلة نحو 884 مليون دينار، أي بنسبة نمو بلغت 14 بالمئة عما كانت عليه في العام 2006. وتتربع شركة زين (فاست لينك سابقاً)، على القمة فهي تستحوذ على 40 بالمئة من المشتركين الأردنيين، وتشكل إيراداتها أكثر من نصف الإيرادات العامة في هذا القطاع، تليها شركة أورانج (موبايلكم سابقاً)، من حيث عدد المشتركين وحجم الإيرادات. وتعبر هذه الأرقام عن التوسع الهائل في هذا السوق الذي بدأ انتشاره وقوته قبل عشرة أعوام.

وتعد الرسائل القصيرة (sms) من الوسائل الحديثة التي بدأ الناس يعتادون على استخدامها؛ للتهنئة في المناسبات المختلفة، وخصوصاً في رمضان والأعياد، ففي حين يتداول الأردنيون ما بين 3.5 و 4 ملايين رسالة في الأيام العادية، فإنه في اليوم الذي سبق رمضان وصل عدد هذه الرسائل 10 ملايين رسالة، وهو عدد يماثل عدد الرسائل المتبادلة عند حلول الأعياد والمناسبات المختلفة، فقد أضحت الرسائل الوسيلة المفضلة لدى الشباب وحتى كبار السن لتبادل التهنئات.

دخل الهاتف الخلوي إلى الأردن في أواسط التسعينيات، مع إنشاء المشغل الأولى لهذه الهواتف شركة فاست لينك، وقتذاك كانت أسعار أجهزة الهاتف وعدد دقائق المكالمات مرتفعة جداً، إذ كانت تكلفة الدقيقة في الشبكة نفسها 36 قرشاً. وقد استحوذت هذه الشبكة على هذا القطاع في الأردن، حتى عام 98 عندما دخلت شركة موبايلكم على خط المنافسة، وسبقتها حملة دعائية ضخمة، لكسر احتكار تلك الشركة. وظل التنافس بين هاتين الشركتين حتى دخول شبكة إكسبرس في العام 2003، ولكن ظل معظم نشاطها محصوراً في الشركات والمؤسسات. ثم دخلت شبكة أمنية على الخط بعد ذلك بعامين لتكتسح السوق، وتفرض نفسها منافساً جديداً على سوق الهواتف النقالة في الأردن. وتتنافس شركتا أمنية وزين على كسب المشتركين الجدد، ويلاحظ اليوم أن كثيرين يحملون جهازين لكلا الشبكتين، يقول عمار "أنا بحكي من خط أمنية لأنو أرخص، وبستقبل على خط زين لأنو رقمي من زمان والكل بيعرفو"، وهذه حال كثير من الشباب اليوم على أي حال.

وقد بلغت قيمة مستوردات المملكة من الأجهزة الخلوية خلال الربع الأول من العام الجاري نحو 64 مليون دينار، بنسبة ارتفاع عن العام الماضي تناهز 73 بالمئة، ويعود هذا إلى ارتفاع عدد الأجهزة التي يحملها الأردنيون، فأصبح من الطبيعي أن تجد من يحملون جهازي خلوي أو حتى ثلاثة، يتبعون لشبكات مختلفة، حتى أنك أصبحت تجد من يحمل ثلاثة أجهزة خلوية تتبع جميعها الشبكة نفسها. يقول عدي "الأول كان رقمي من زمان ومخليه لأهلي وصحابي، والتاني أعطوني إياه الشغل وبخليه لمكالمات الشغل، أما التالت فهو للشغل البراني وبحكي فيه مع زبائني"! وتراوح أسعار أجهزة الهاتف النقال الجديدة (غير المستعملة)، محلياً بصرف النظر عن نوعيتها، بين 20 دينارا حدا أدنى للهواتف البسيطة والقديمة نسبياً، و900 دينار حد أعلى لتلك المتطورة، والتي تشبه في عملها جهاز الحاسوب، فيما تخضع أسعار "المستعمل" منها لنوعية ودرجة استعمال الجهاز والمنافسة بين محلات الخلوي. ويدل هذا الانتشار للأجهزة النقالة، على تطور مجتمعنا، واعتماده على التكنولوجيا بشكل كبير، ولكنه يخبئ في الوقت ذاته مظاهر الترف والاجتماعي والمباهاة بين الشباب.

تقسيمات هذه الشبكات في الأردن معروفة لدى الجميع، فيقال عن شركة زين بأنها «خط الشعب»، بسبب العدد الهائل للمشتركين فيها، في حين توصف شركة أورانج بأنها «خط الحكومة»، بسبب العروض الكبيرة التي تقدمها للموظفين الحكوميين، أما شركة إكسبرس فهي «خط الشركات»، لما توفره خدمة اللاسلكي الخاصة بها من تسهيل لأعمالهم، وشركة أمنية الجديدة يقال بأنها «خط الفقراء»، لعملها بنظام الثانية، ولرخص أسعار دقائقها.

وقد أثر انتشار الأجهزة النقالة على الهواتف الثابتة، فلم يعد هاتف المنزل يرن كثيراً، واختفت من بيوتنا السباقات بين الصغار للرد على الهاتف «أنا برد .. أنا برد»، فكل واحد منهم أصبح يملك جهازه الخلوي الخاص به. وقد بلغت قاعدة مشتركي الثابت أدنى مستوى لها منذ بداية العقد الحالي في نهاية العام الماضي وبلغ 559 ألف اشتراك، مقارنة بنحو 674 ألف اشتراك في نهاية العام 2001، مقارنة باشتراكات الخلوي التي كانت نهاية ذلك العام 866 ألف اشتراك، في حين بلغت نهاية العام الماضي 4.7 مليون اشتراك. ولهذا فإن شركة الخط الثابت في الأردن تطرح عروضاً مخفضة على المكالمات طوال الوقت، في محاولة منها لإعادة المكانة للهاتف الثابت، وتوجه أغلب هذه العروض للمشتركين من فئة المنازل الذين يسيطرون على 60 بالمئة من حجم الاشتراكات الكلي للهاتف الأرضي في المملكة.

وتختلف تسمية هذا الجهاز في الدول العربية، فهنا في الأردن نطلق عليه اسم «خلوي»، أما في الأراضي المحتلة فيسمى «بليفون» وقد سمي على اسم أول شركة إسرائيلية قدمت هذه الخدمة هناك، أما في السعودية فيطلقون عليه اسم «الجوال»، وفي الإمارات يقولون «النقال»، وفي لبنان يستخدمون المفردة الفرنسية «سيليولير» أو الخليوي، وتسميه بعض الدول الأخرى «موبايل». وتعد تسمية «خلوي» التسمية الأصح، فالهاتف النقل هو عبارة عن «هاتف خلوي» Cell Phone يقوم في مبدئه على خلية واحدة، أما مصطلح «موبايل» فهو أعم، إذ يعبر عن جميع الأجهزة النقالة، والتي تشمل PDA (المساعد الإلكتروني) والحواسيب الشخصية.

وأخيراً، فقد أصبحت الهواتف النقالة جزءاً من ثقافتنا، وغدت المحرك الأساسي للكثير من العلاقات، وخصوصاً بين الجنسين، في حين ساعدت هذه الأجهزة على تطوير قطاع العمل، وتسهيل التواصل بين العاملين. وفي المقابل يقول علماء الاجتماع إنها أحدثت فجوة في العلاقات الاجتماعية، بعدما استعاض كثيرون بالرسائل القصيرة عن المكالمات والزيارات للتهنئة والتعازي على حد سواء.

**

آثار صحية للخلوي

ما يزال الجدل مستمراً حول تأثير هذا الجهاز على صحة الإنسان، فالكثير من التقارير تصدر بين حين وآخر للحديث عن الأضرار الصحية للاستعمال المتكرر للهاتف النقال، فتذكر أنه يؤثر على صحة وسلامة الدماغ، فهو يتسبب برفع درجة حرارته من الإشارات المتكررة التي يصدرها الهاتف، إلى جانب تأثيره على الذاكرة والمهارات العقلية، وأنه من الممكن أن يسبب فقدان الذاكرة طويل الأمد، بحسب علماء في جامعة واشنطن الأميركية. إضافة إلى التوصية بعدم استخدامه في المراكز الصحية والمستشفيات خصوصاً بين الممرضين، إذ أن هذه الهواتف ممكن أن تحمل جراثيم تقود إلى انتشار البكتيريا، مما يؤثر على صحة المرضى.

ولكن الضرر الأكبر يقع على الأطفال الذي بدأ الخلوي ينتشر بينهم بكثرة، ويؤثر هذا الجهاز على أجسامهم بلا شك، بما أنهم في طور النمو، وتحذر الدراسات دائماً من مغبة الاستعمال المتكرر، وخصوصاً مع انتشار الألعاب وتصفح الإنترنت عبر الخلوي، مما جعل الأطفال يقضون وقتاً أطول باستخدامهم هذا الجهاز، مما يعود عليهم بالأضرار الصحية.

إضافة إلى الأضرار التي تسببها أبراج الاستقبال للهاتف النقال، والتي تنتشر على الكثير من أسطح المنازل والشركات، والخوف يكون عند وجودها في الأحياء المتقاربة، وذلك لقوة إشارة هذه الأبراج وتأثيرها على سكان المنزل والمنازل المجاورة.

في حين يرد علماء آخرون بان تأثير هذه الأجهزة هو مؤقت، وتختفي بمجرد الراحة والتوقف عن استخدام الهاتف لفترة، وأنه لا يسبب أضراراً أو أمراضاً مستمرة كما هو معتقد، ولكن يجب الابتعاد عنه للتخفيف من أضراره. ولكن الأغلبية لا تلتفت لهذه الدراسات، فالتعامل مع هذه الأجهزة في ازدياد، ولا نسمع من ترك استخدام الخلوي الخاص به، بعدما سمع عن أضراره الصحية.

**

حصص الشركات منه..

تتربع شركة نوكيا الفنلندية على قائمة المصنعين لأجهزة الهواتف النقالة في العالم، فهي تستحوذ على 40 بالمئة من هذا السوق، وتصدر جهازاً جديداً كل أسبوعين تقريباً، وتنتشر بشكل كبير بين أواسط الشباب، ويفضلها الكثيرين لسهولة استخدامها وبساطتها، وتتميز أجهزتها بالتنوع وتعدد الخيارات، وتعتبر مبيعاتها الأكبر في الدول العربية، وكانت هي الشركة الأولى التي أصدرت «الهاتف الذكي» في 1996، وظهر ليجمع بين مميزات جهاز الحاسوب وسهولة الهاتف النقال. وتليها شركتا سامسونغ وموتورلا الأميركيتين بنسبة 14 بالمئة من السوق، ويعتبر جهاز موتورلا المفضل لدى الأميركيين، فنلاحظ أنه الهاتف الأوحد في الأفلام والمسلسلات الغربية، فقلما تجد هاتف نوكيا مع المحققين في أفلام الأكشن الأميركية. وهناك بعض الشركات التي تصنع «الهواتف الذكية» مثل Apple وSiemens، وتتميز بمزج مشغلات الموسيقى ومتصفح الإنترنت وعرض الصور والفيديو بجودة عالية، إلى جانب المهام التقليدية للهاتف. وتتدرج الهواتف النقالة من الهواتف البسيطة القائمة على إجراء المكالمات وإرسال الرسائل، وهذا النوع من الأجهزة الذي نجده دائماً مع كبار السن من الجيل السابق، إلى الهواتف التي تحتوي على كاميرا وتشغل الأغاني الموسيقية والذي يعتبر الأشهر بين الشباب، الذين يتسابقون فيما بينهم للحصول على الأحدث، وصولاً إلى الهواتف الذكية التي تشبه في عملها جهاز الكمبيوتر، وتمكن مستخدمها من صناعة الملفات وتبادلها، وتساعد رجال الأعمال على إتمام مهامهم خارج المكتب، وعملت على توفير حقيقي للوقت والمال، من خلال ربط هذه الهواتف مع شبكة الحواسيب في المكتب، من خلال تزويدها بخدمات الشبكات.

لنقال، الخلوي، الجوال، السليولير: تعددت الأسماء والجهاز واحد
 
11-Sep-2008
 
العدد 43