العدد 40 - أردني
 

خالد أبو الخير

أولت العديد من كتب التكليف الملكية الموجهة للحكومات، القطاع الزراعي عناية خاصة، ومع ذلك يشهد هذا القطاع تراجعاً ذريعاً ومستمراً على مدى عقود.

تسرد المؤشرات الرقمية رؤية مؤلمة عن الواقع الزراعي، فهي تقول إن «الأراضي الصالحة للزراعة في المملكة التي تقدر بنحو 80 مليون دونم لا يستغل منها سوى 4 بالمئة فقط»، فيما لم تعد تشكل الأشجار الحرجية في المملكة إلاّ 1 بالمئة من مساحة المملكة، أي أن هنالك نقصاً في الأراضي الحرجية بنسبة لا تقل عن 25 بالمئة عن المعايير العالمية».

تشكل الزراعة، نظرياً، ركناً أساسياً من أركان الاقتصاد الوطني، بيد أن التعامل معها «اقتصر على المنظور المالي، أي مدى مساهمة القطاع في الدخل القومي، دون النظر إلى حاجات القطاع وضرورات دعمه وتحفيزه، على خلاف ما هو معمول به في دول العالم؛ شمالاً وجنوباً، والتي تقدم الدعم لقطاعاتها الزراعية»، وفق النائب ووزير الزراعة السابق مجحم الخريشا ونقيب المهندسين الزراعيين، عبد الهادي الفلاحات.

يرجع الخريشا المشكلة، بناء على خبرته كوزير سابق، إلى أن راسمي السياسة الاقتصادية لم يولوا القطاع الزراعي الأهمية التي يستحقها، بل إن الزراعة لم تكن تعني لهم شيئاً، «ما أدى إلى النكوص الحاصل».

ويضيف الفلاحات: «أن المقياس المالي وحده أضر ضرراً بالغاً في توجيه الموارد والسياسات لغير مصلحة القطاع الزراعي».

ويتبنى عدد من الاقتصاديين الأردنيين فكرة أن الأردن لا يمكن أن يكون دولة زراعية في المقام الأول، ولكنه يمكن أن يكون دولة خدمية، بخاصة مع شح المياه الذي يعاني منه. وعليه، يشتكي خبراء الزراعة من غياب المفهوم السياسي للزراعة أردنياً. ويزيدون أن الأردن لا يعاني من مشكلة في كمية المياه، بل في إدارتها، وفي تطوير طرق لزراعة منتجات لا تحتاج إلى كثير من المياه، أسوة بدول أخرى لديها المشكلة نفسها.

ويؤكد الخريشا: «الإرادة السياسية واضحة في توجيهات جلالة الملك، لكن القضية تكمن في مدى ترجمة المسؤولين لهذه الإرادة على الأرض، بخاصة بعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من تدهور في القطاع، وبروز أزمة الغذاء العالمي التي دفعت منظمة الأغذية والزراعة الدولية لقرع جرس الإنذار خشية حدوث نقص في الغذاء في العالم».

«على الرغم من أن العديد من كتب التكليف نصت على تحفيز الزراعة ودعمها، فإن حكومات متعاقبة واجهت القطاع بإهمال شديد»، يشرح الفلاحات، الذي يصر على أن «أحداً لا يجادل في أن الأردن محدود الموارد، سواء في المياه أو الأرض، لكنه غني بالعنصر البشري وبقدرته على مواكبة العلوم والتكنولوجيا التي تتيح له استثماراً أمثل للقطاع، شرط توافر الإرادة السياسية».

يبلغ العجز المائي في الأردن نحو 400 مليون متر مكعب، علماً أن الزراعة تستهلك 72 بالمئة من المياه المتاحة في الأردن، ولا يستفيد الأردن من سقوط الأمطار إلا بنحو 300 مليون متر مكعب، ويذهب الباقي هدراً.

بحسب الفلاحات، فإن «الحكومة السابقة مثلاً، بدأت في تنفيذ نظام استعمالات الأراضي، لكن الحكومة الحالية التي يفترض أنها جاءت لإعادة الاعتبار للقطاع، تتصرف ببطء في تنفيذ النظام، فضلاً عن أن قرار إعفاء مدخلات الإنتاج، جرى تنفيذه في العديد من القطاعات، عدا القطاع الزراعي».

يفاقم المشكلة اشتداد أزمة الغذاء العالمية، ما يدعو نقيب المهندسين الزراعيين إلى قرع جرس الإنذار: «الأردن لا ينتج من القمح حالياً إلا ما يكفي 5-10 أيام. يجب أن نلتفت إلى القطاع ونشجع زراعة القمح والشعير، سواء عن طريق الري في الأغوار أو بمياه الآبار في الجنوب أو بزراعة الأراضي البعلية، خشية أن تصل الأمور في المستقبل إلى أن يكون لديك مال وليس هناك قمح تشتريه».

يلحظ الخريشا بالمقابل «أن هناك توجهاً لدعم الزراعة في الوقت الحالي بعد أن أصبح لا مناص أمامنا من التوجه لدعم الزراعة»، ويشير إلى أهمية «تطوير وتطبيق الاستراتيجية الزراعية التي وضعت سابقاً، بما يحقق تنشيط القطاع ودفعه إلى الأمام».

شدّد كتاب التكليف الملكي الموجه إلى حكومة عبد الرؤوف الروابدة على أن الزراعة «تشكل ركناً أساسياً في اقتصادنا الوطني، وفي اعتمادنا على أنفسنا في الأساسيات من وسائل العيش، ولذا لا بد من تنشيط المؤسسات الزراعية والعمل على تكامل أدوارها، وتحديث أساليبها».

أما كتاب التكليف الموجه إلى حكومة فيصل الفايز، فقرر أن «أهمية قطاع الزراعة تكمن في أن هذا القطاع يمس حياة العديد من فئات المجتمع، إضافة إلى ارتباطه بباقي القطاعات الاقتصادية، ولكونه يمثل نمط حياة وبعداً اجتماعياً ومصدَر دخل لشريحة كبيرة من المواطنين»..

يعلق الفلاحات: «الحقيقة التي ينبغي التعامل معها هي أننا إذا أردنا أن نحقق الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فضلاً عن استيعاب أيد عاملة كثيرة، فما علينا إلا الالتفات للقطاع الزراعي والتعامل معه بصورة صحيحة، وذلك عبر تحفيز المزارعين وإقامة وتشجيع المشاريع الزراعية الاستثمارية. على الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها».

والسؤال هنا: هل تحملت الحكومة، ممثلة بوزارة الزراعة، مسؤولياتها؟ «ے» حاولت الاتصال بالوزارة لأخذ رأيها، وعلى الرغم من الاتصالات المتكررة، فإن أياً من مسؤولي الوزارة لم يرد على نداءات «ے»، فترك المحرر رقم هاتفه بعهدة أحد مسؤوليها لتبادر الوزارة إلى الرد، لكن الرد لم يصل حتى إعداد هذا التقرير!

القطاع الزراعي: تراجع ذريع رغم حثّ كتب التكليف على دعمه
 
21-Aug-2008
 
العدد 40