العدد 38 - بورتريه
 

خالد أبو الخير

أودت به استراتيجية أبوية طويلة المدى إلى مهنة المتاعب، ومن أجل إقصائه عن رئاسة تحرير «الدستور» فصلت حكومة سابقة قانوناً للمطبوعات على مقاس فصله، بيد أن التاريخ سيذكره كآخر وزير إعلام امتلك جرأة إلغاء الوزارة «وقعد على تلها».

حيث تنحسر الطرقات الرملية عن البحر في جارة المتوسط القديم مدينة العريش، أمكن لنبيل الشريف الذي رأى النور العام 1952 ، أن يتملى طويلاً في تاريخ عائلة تحدرت من الحجاز وتوزعت في بداوتها، ما بين سيناء وفلسطين والأردن ضاربة عرض الحائط بتقسيمات سايكس وبيكو.

تميزت سنوات طفولته بشظف العيش، وكان معتادا أن يقطع ساعة مشياً على الاقدام في طريقه الى مدرسته الاولى «الجيل الجديد « التي أسسها والده المرحوم محمود الشريف في العريش.

الانتقال إلى عمان حدث حين كان في العاشرة من عمره. درس في مدرسة الأردن الكائنة في شارع السلط ثم انتقل للكلية العلمية الإسلامية.

لم يكد يستقر الحال بالعائلة حتى انتقلت إلى قطر، بحكم عمل الوالد هناك، حيث قدم التوجيهي في مدرسة الدوحة، وكان من زملائه فيها أمير قطر الحالي الشيخ حمد بن خليفة .

لطالما حار في شخصية والده ، فمن جهة كان صارماً متجهما وذا هيبة « إذا وضع جاكيته في الجريدة بتمشي زي الساعة». ومن جهة أخرى عطوفا، لطيف المعشر، سريع التأثر بمآسي الناس لدرجة أن الدمعة تنفر من عينيه».

«والدي جرني إلى الصحافة جراً، رغم أنه كان يعرف إنني لم أكن أريد أن امتهن هذه المهنة التي كنت أرى أنها ليست مهنة عيشة».

درس نبيل الشريف الأدب الانجليزي في جامعة الكويت، وعمل بعد تخرجه بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف أستاذا للمادة في «مينا سعود» الواقعة في المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية.

لم يكن مقدرا للشاب الطموح أن يظل أسير الطرقات التي تحفها الكثبان الرملية في شمال الجزيرة العربية، ولعبت الصدفة دورها في حياته، فذات يوم فرش على مائدة طعامه صفحة من صحيفة «الدستور» التي كانت سلوته الوحيدة في تلك البقاع، طالع فيها إعلانا لجامعة اليرموك تطلب فيه مبعوثين لدراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة. «أحيانا أتساءل لو كانت الصحيفة يومها على الصفحة المعاكسة، هل كنت سأقرأ الإعلان!».

حاز الدكتوراه من جامعة انديانا وعين بعيد عودته إلى أرض الوطن أستاذا للأدب الانجليزي في جامعة اليرموك.

أفاء الى شريكة لحياته في العام 1982 ، هي السيدة منال ابو عيشة، كان أهلها جيران لعمه المرحوم كامل الشريف، وصارت القسمة. له منها ثلاث بنات وابنان أكبرهم "طارق".

في وقت ما من مطالع الثمانينيات بدأ محمود الشريف خطته السرية لجذب نبيل إلى الصحافة " كنت أعود من اليرموك إلى عمان كل يوم خميس، وهو يوم إجازة مدير تحرير الدستور المرحوم محمود الحوساني، فيطلب مني الوالد أن أداوم مكانه، ويبسط المسألة قائلا: إنه مجرد يوم واحد في الأسبوع!. وعندما شغرت إحدى الزوايا طلب أن اكتب مقالة، لأن للمقالة صدى.. بحسب قوله. وافقت دون أن أدري أن أضواء وعوامل جذب الصحافة ستشدني اليها في النهاية، خصوصا وأنني كنت اتلقى اتصالات من مسؤولين يعقبون بها على مقالاتي، ودعيت الى لقاء مع الملك الراحل الحسين بصفتي كاتبا وليس استاذا جامعياً. كانت هذه الأضواء تنطفئ كلما قفلت عائدا الى جامعتي".

"أنا رئيس تحرير منذ خمسين عاما" يفاخر الشريف، مستذكرا رئاسته لتحرير صحيفة طلابية ابان دراسته في جامعة الكويت، دون أن يقر بأن جهود والده لاجتذابه للعمل الصحفي لم تكن وحدها الدافع وراء تحوله، وإنما هناك دافعه الذاتي.

شيئا فشيئا امتلكت الصحافة شغاف قلب الأستاذ الجامعي ،وراق له عرض والده الذي جاء في توقيت مناسب جدا بحسب الخطة التي لا "تخر المية" ، غداة استقال محرر الصفحات الثقافية وطلب منه أن يحل مكانه.

لكن قرار "أبو طارق" بتطليق التدريس والاقتران نهائيا بالصحافة بزواج كاثوليكي، تأخر إلى حين عين الوالد وزيرا للاعلام في العام 1993.

" ما اعرفه عن الصحافة تعلمته من والدي، كان استاذا قاسيا، يمزق ما اكتبه اذا لم يرق له، ويصمت ولا يقول شيئا اذا اعجبه، لكني استفدت جدا من الخبرة التي توافرت لي بالعمل معه ".

لم يكن انغماس نبيل الشريف في بلاط صاحبة الجلالة دون منغصات، ففي العام 1997 أصدرت حكومة عبد السلام المجالي الثانية القانون المؤقت للصحافة والنشر الذي فصلت إحدى مواده على مقاسه "وهي المادة التي تشترط عشر سنوات خبرة كعضو نقابة لرئيس تحرير أي صحيفة" بهدف إقصائه عن رئاسة تحرير الدستور، نظرا لتوجهه لرفع السقف، وعدم رضوخه للضغوطات التي كانت تنقل له شفاها على لسان مسؤولي تلك الحكومة.

بدخول القانون حيز النفاذ، تم التوصل الى صيغة توافقية بين والده محمود وعمه كامل يعود بموجبها محمود الشريف كرئيس تحرير مسؤول ،ونجله نبيل رئيس التحرير "من الباطن". وبقيت "الدستور" على هذه الحال لحين وفاة الوالد في العام 2003.

العام ذاته لم يخل من مفاجآت، فقد عين وزيرا للإعلام في حكومة علي ابو الراغب. "أنا آخر وزير إعلام في تاريخ الأردن وهو اللقب الذي أتمنى أن أحافظ عليه، خصوصا بعد عودة الحديث عن إعادة الوزارة التي آمل أن لا تعود لأن إلغاءها مكسب للوطن وأنا فخور أنني أنجزت هذه المهمة".

ليس سراً أن مهمة نبيل الشريف كانت التمهيد لإلغاء الوزارة، لكنه ذهب بعيداً وأجهز عليها، خلافا لوزراء آخرين، كانوا يبدون في الظاهر موافقتهم على إلغائها ويتلكأون في التنفيذ.

"اذا أعدنا وزارة الاعلام فستكون بمثابة انتكاسة للواقع الإعلامي " يحسم الشريف موقفه من الجدل الدائر.

يرى أكاديميون بأن نبيل الشريف " لم يقدم عدا إلغاء الوزارة أداء متميزا كوزير إعلام وناطق رسمي باسم الحكومة"، ويشرح هو:«أن ثمة مفارقة كبيرة في تحول الصحفي الى وزير ، تماما كمن يقف على ضفة نهر ثم ينتقل الى الضفة الأخرى" ويقر "بأن قصر المدة "ثلاثة شهور فقط" التي شغل فيها المنصب، فضلا عن الالتزامات الأخرى التي يتطلبها لم تتح له الفرصة ليبلور الكثير من الافكار».

شغل بعد الوزارة عدة مناصب دبلوماسية منها سفير في المغرب وسفير غير مقيم في موريتانيا والسنغال..

وحيث تمشى في فاس على خطى الشاعر والمفكر علال الفاسي لربما استوقفه قوله «إذا كانت الديمقراطية هي سيطرة العقل، فمن الواجب أن نتجه لرفع مستوى العقل، والإعلاء من شأنه؛ لأنه وحده الذي يحمينا من أخطائنا، ويعقلنا عن شهواتنا».

يصفه أحد موظفي الدستور بأنه «جاد، أخلاقي، مثقف كبير، يؤمن بالفصل ما بين الصداقة والعمل، يسهر الساعات الطوال ليشرف على صدور الصحيفة التي زهد من أجلها بمناصبه الدبلوماسية».

نبيل الشريف وجد نفسه أخيراً في العمل الصحفي.

نبيل الشريف: آخر وزير إعلام في الأردن
 
07-Aug-2008
 
العدد 38