العدد 5 - اجتماعي
 

“اقتحم فيروس الإيدز غرفة نومي رغما عني. لم ارتكب أي علاقات خارج إطار الزوجية ولم أتعاطَ المخدرات طيلة حياتي، لكن دم زوجي الملوث بالفيروس اختلط بدمي ونقل المرض الى طفلتي البريئة”، بأسى تسرد معاناتها إحدى “المتعايشات” مع فيروس نقص المناعة المكتسبة.

وتضيف أمل ( 38 عاما) التي تتلقى العلاج في قسم الامراض المنقولة جنسيا منذ اعوام مضت “ تلقيت عدة صدمات عنيفة في حياتي، منها: بعد ان دخل زوجي المستشفى العلاج واكتشفت اصابته بمرض كنا نجهل تفاصيله، وكانت صدمتي اكبر لحظة معرفتي بإصابة طفلتي بالمرض «.

بحرقة شديدة تستدرك قائلة “ انظر إلى نفسي كضحية، فيما يعتبرني مجتمعي مجرمة”. وتضيف مستذكرة:» أذهلني سلوك والدتي عندما رفضت تقبيل طفلتي حين زارتها في منزلها بانتظار حضن دافئ يخفف من معاناتها، قائلة: “لا أريد ايدز في منزلي».

أصيب زوج أمل بفيروس نقص المناعة المكتسبة في منتصف التسعينات بعد ان أقام علاقة خارج إطار العلاقة الزوجية، بحسب أمل التي حتى هذه اللحظة “لا تقر بخيانته لها « وتواسي نفسها باحتمالية بأن”دماً ملوثاً نقل اليه أثناء زيارته الى دولة اوروبية» !.

واصيب نحو 80 % من النساء المتعايشات مع فيروس الايدز في المنطقة العربية، داخل اطار الزوجية، وفق احدث احصائيات برنامج الامم المتحدة لمكافحة الايدز.

وتستمد أمل قوتها من رفضها لفكرة “أن الموت ينتظرني وطفلتي”،معربة عن تأييدها بقوة لفكرة تأسيس جمعية أردنية لمكافحة مرض الإيدز والدفاع عن حقوق المرضى المصابين، الا انها لم تحسم قرارها بعد بالانضمام الى تلك الجمعية خوفا من وصمة العار و”المجتمع الذي لا يرحم”، بحسب قولها.

وأعربت عن أملها بان تتبنى جمعيات وهيئات محلية المرضى بشكل فاعل وتدافع عن حقوق المصابين والحيلولة دون وقوع إصابات جديدة، واستقطاب قادة الرأي لتغيير نظرة المجتمع ازاء المصابين بالايدز، ورفع مستوى الوعي الصحي حول المرض ومخاطره النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

وخصصت منظمة الصحة العالمية اليوم الأول من شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، للاحتفال باليوم العالمي للإيدز، وتميز شعار هذا العام بحمله لرسالة لجميع قادة الرأي العام في العالم بأن”يوفوا بالعهد ويوقفوا الإيدز».

و اعتبر مدير قسم الأمراض المنقولة جنسيا في وزارة الصحة الدكتور رجاء العزة مرض الايدز “مرضا مزمنا يمكن التعايش معة مثل السكرى وضغط الدم، في ظل توفر علاج، رغم انه غير شاف لكنه يعمل على تقوية الجهاز المناعي في جسم المريض”.

ومنذ بدء تسجيل الإصابات في المملكة في العام 1986 توفي 86 مريضاً من بين 186 مصابا أردنيا كان آخرهم شاب عمره 29 عاما وافاه الأجل الاسبوع الماضي بعد أن اكتشفت إصابته بالفيروس في مرحلة متأخرة.

وفي مواجهة ما يلقونه من معاناة، اقترح سبعة مصابين عولجوا مجانا في وزارة الصحة العام الماضي تأسيس جمعية تعنى بشؤونهم على غرار الجمعيات المتخصصة بمقاومة مرض الإيدز في الوطن العربي

ويشكل تغيير النظرة الإجتماعية لمرضى الإيدز ودعمهم اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا أبرز أهداف أول جمعية أردنية خاصة لمكافحة الأمراض المنقوله جنسيا في المملكة، التي أنهى القائمون على تأسيسها إعداد نظامها الداخلي، وفق العزة.

بدوره، رفض الاختصاصي النفسي في مركز الإرشاد - الخط الساخن، يوسف النجار، فكرة تطبيق الحجر الصحي على المصابين بالإيدز، معتبرا أن ذلك ينعكس سلبا على صحة المصاب ويفقده حقه في أن يكون مواطنا منتجا في المجتمع “فالمركز يحارب المرض ولا يحارب المريض».

تتشابه قصة أمل مع كثير ممن اصيبوا بفيروس الايدز في المنطقة العربية. ففاطمة (35) عامامن المغرب العربي فقدت طفلتها الرضيعة لاصابتها بالمرض، وحظيت بزوج غير مصاب أصر على دعمها بكل الوسائل التي تمكنها من الاستمرار في حياتها.

وتزوجت فاطمة قبل حوالي ثلاثة شهور رغم تعايشها مع المرض منذ 18 عاما. وتقول في معرض حديثها لـ”السجل”: « كان زواجي الأول نقمة على حياتي، لكن الزواج الثاني من انسان غير مصاب منحني الامل بالحياة، لا سيما عندما قررنا أن ننجب أطفالا لأمارس حقي كأم، بعد ان فقدت طفلتي نتيجة جهلي بان الرضاعة الطبيعية احد اسباب انتقال الفيروس».

وكشف الخبير المصري في شوؤن المتعايشين مع مرض الايدز الدكتور عاطف باخوم عن طرق علاجية حديثة تمكن هؤلاء من الانجاب. ومن أكثرها انتشارا استخدام نظام علاج المضادات الفيروسات القهرية العالية الفاعلية بهدف تخفيض الحمل الفيروسي بشكل كبير».

وتؤدي هذه الطريقة، بحسب باخوم، إلى انخفاض نسبة الإصابة من الأم إلى الجنين من 1 بالمائة الى 1 بالالف، في حال أن المرأة هي المصابة.

طريقة علاجية اخرى، بحسب باخوم، تقدر تكلفتها بحوالي 5 آلاف دولار وتمنح المصابين طفلاً سليماً، وهي غسل الحيوانات المنوية من السائل المنوي ثم حقنها اصطناعيا داخل رحم المرأة .

وطالبت فاطمة، كونها إحدى عضوات جمعية محاربة الايدز المغربية، المسؤولين في المغرب والوطن العربي باجراء الفحص الالزامي قبل الزواج للكشف عن حاملي الفيروس، تفاديا لحصول اصابات جديدة. وأشارت إلى أن الحكومة المغربية قامت بإلغاء هذا الفحص عام 1989 بعد ان ظهرت مشاكل بين العائلات نتيجة لعدم معرفة من هو المسبب الرئيسي للإصابة.

لم يتمكن المرض من السيطرة على حياة فاطمة، لكنه حولها الى امراة قادرة على تغيير النظرة المجتمعية حول إصابتها بالمرض ، وتشجيع المتزوجين على الفحص قبل الزواج اختياريا، ومخاطبة ارباب العمل بعدم طردالمصابين من أماكن عملهم.

ويفيد تقرير أصدرته لجنة مشتركة من (برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز ومنظمة الصحة العالمية) الشهر الحالي، أن عدد حاملي الفيروس في العالم يبلغ 32.7 مليون مقابل 39.5 مليون العام الماضي، متوقعا وفاة 2.1 مليون شخص نتيجة إصابتهم بالمرض.

وتتوجه أمل باستمرار إلى المدارس للتحدث عن تجربتها وطفلتها مع المرض ، ضمن جولات داخل بلدها وفي الخارج، لتحصين الطلاب بمعلومات علمية دقيقة عن طرق انتقال المرض والوقاية منه. كما تتوجه الى السجون مرتين شهريا لتزويد المساجين بالواقي الذكري بدون خجل أو وجل، فضلا عن دعوة المومسات والمثليين الى اجراء الفحوص المخبرية، وتحمل على عاتقها شعار منظمة الصحة العالمية لعام 2005 «فلنكسر حاجز الصمت”.

مصابات بالإيدز يكسرن حاجز الصمت
 
06-Dec-2007
 
العدد 5