العدد 30 - اعلامي
 

سنت الحكومات المتعاقبة تشريعات إعلامية أكثر انفراجاً وأخرى واجهت انتقادات من قبل جهات عاملة في القطاع ومؤسسات مجتمع مدني.

منذ العام 1999 أصبح للإعلام حضور في كل بيان وزاري، ووعدت الحكومات بإصدار تشريعات ذات صلة فتم إلغاء وزارة الإعلام وأعقبها استحداث «مجالس إدارات» في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الأردنية (بترا)، وهيئات للمرئي والمسموع والمطبوعات والنشر لمنح استقلالية لتلك المؤسسات.

تفعيلا لذلك التوجه عين مجلس الوزراء مجالس إدارات تلك المؤسسات وتم منحها صلاحيات «ورقية» عبر الأنظمة والتشريعات، إلا أن الصلاحيات الحقيقية في مؤسستي الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الأردنية بقيت محصورة بيد المدراء العامين لتلك المؤسسات المعينين من قبل مجلس الوزراء.

وحده مجلس إدارة «الإذاعة والتلفزيون» الأسبق تمسك بالصلاحيات الممنوحة له التي تبدأ من الدورة البرامجية ولا تنتهي عند شكل الشعار والموسيقى التصويرية المرافقة للفواصل.

بدأ المجلس الأسبق القيام بالمهام الموكولة إليه وشرع في تنفيذ الأهداف التي أنشئ من اجلها، دخل في صراعات عميقة مع الحكومات حينا ومع نواب كان من المفترض بهم مساندة المجلس في مواقفه.

جردت مجالس الإدارات من صلاحياتها وبات المدير العام في تلك المؤسسات هو الآمر الناهي في كل صغيرة وكبيرة، وله أن يوافق ويعترض. عليه أن يوافق بمساعدة جهات خارجية «أمنية» حينا وذات علاقة بالسلطة التنفيذية أحيانا أخرى على أسماء ضيوف البرامج الحوارية أو الإخبارية حتى إن البرامج الصباحية التي تتناول مواضيع خفيفة بات المدير العام يتدخل في اختيار ضيوفها ويفرض ضيوفا من عنده لدرجة أن مقدمي تلك البرامج لا يملكون هامش صلاحية يمكنهم التحرك من خلاله، لا تقف الأمور عند هذا وإنما تصل إلى حد تغيير ضيوف وإحلال ضيوف غيرهم.

يقول مسؤول رفيع سابق في التلفزيون عزف عن ذكر اسمه إن الهدف الذي انشئت من أجله مجالس الإدارات تلك «لم يتحقق إذ إن تلك المجالس نشأت بهدف توسيع هامش الحريات ورفع سقف التعبير في المؤسستين وتعزيز مبدأ الاستقلالية والمهنية».

مجلسا إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء بخلاف مجلس واحد اسبق للإذاعة والتلفزيون لم يقوموا بالمهام الموكولة إليهم حسب ما ينص عليه القانون.

تنازل مجالس الإدارات عن صلاحياتها افقدها سبب وجودها، ما دفع بكتاب وصحفيين للمطالبة في غير مناسبة بحل تلك المجالس التي أصبح وجودها «عبثيا» ومن بين هؤلاء رئيس مجلس إدارة يومية الرأي فهد الفانك، والكاتب في يومية العرب اليوم فهد الخيطان.

الحكومات المتعاقبة ورغم التشريعات الإعلامية التي ظهرت خلال السنوات العشر الماضية، وكان منها الجيد والمتوسط، إلا أنها جعلت من تلك التشريعات مجرد حبر على ورق دون المبادرة لتنفيذها على ارض الواقع ما أدى، في نهاية المطاف، الى انحدار مؤشر الحرية الاعلامية في الأردن الى درجات دنيا.

نسب تقييم المملكة في مؤشرات استطلاع عالمية من بينها مؤشر «مراسلون بلا حدود» أظهر تراجع مؤشر المملكة العام 2007 عن المستوى الذي بلغه العام 2006 بمقدار 13 درجة.

مدير التحرير في يومية «الغد» موسى برهومة يعتقد ان الحكومة تلعب دورا مضاعفا في خفض مؤشر الحرية الصحفية اضافة الى القوانين الناظمة الأخرى.

ويرى ان «القرارات الحكومية وعوامل مؤثرة تعيق تقدم الحريات الصحفية وتمنع خلق مناخ الحرية الملائم لتعزيز دور الصحافة باعتبارها السلطة الرابعة».

في اللقاء الذي ضم نوابا واعيانا وحكومة بالملك في دار رئاسة الوزارء حظي الاعلام باطلالة، تمخض اللقاء عن صدور توجيهات ملكية للسلطتين التنفيذية والتشريعية للجلوس معا والاتفاق على مسودة أولية بشأن الإعلام «تراعي استقلاليته وحريته وتقدمه والنهوض به الى الأمام» وفق ما ذكره النائب بسام حدادين. اللقاء انتهى قبل نحو ثلاثة أسابيع ولم تتحرك الحكومة او النواب والأعيان للبحث عن آلية تنفيذ التوجيه الملكي او دراسة ما يمكن اضاقته من تشريعات من شأنها ان تنعكس ايجابا على الإعلام وتطوره سواء الاعلام الرسمي أو الإعلام الخاص من خلال التشريعات الناظمة لهما.

ليس هذا فحسب فبعد مضي اقل من أسبوع من الحديث الملكي عن الاعلام واهمية تسهيل مهامه قرر مجلس الاعيان منع مندوبي الصحف اليومية حضور لقاء عادي لرئيس الوزراء نادر الذهبي مع اللجنتين المالية والاقتصادية في مجلس الامة (النواب والاعيان) لبحث مسودة مشروع قانون المالكين والمستأجرين.

اجندة اللقاء لم تتضمن سوى مسودة مشروع «المالكين والمستأجرين» ولم يكن البحث يتعلق بالأمن القومي مثلا حتى يتم حرمان ممثلي الصحافة من حضور الاجتماع.

مجلس الأعيان يمنع، بشكل متكرر، الصحفيين من تغطية اعمال لجانه ويكتفي بتوزيع خبر يصدر من المجلس على بترا لتقوم بدورها بتوزيعه على الصحف اليومية والاذاعة والتلفزيون.

أمين سر نقابة الصحفيين ماجد توبة قال «البعض ما زال يتعامل مع الاعلام وفق عقلية الستينيات والسبيعينيات من القرن الماضي هؤلاء أصحاب قرار تشريعي (....) لو كانوا يدركون أهمية الإعلام لقاموا بتعديلات ايجابية ديمقراطية وتقدمية على القوانين الناظمة للحريات والمساهمة بوضع تشريعات تسهل مهمة الإعلام والمحافظة على تقدمه».

مستشار المجلس الأعلى للإعلام يحيى شقير قال في تصريحات صحفية سابقة «رغم وجود القوانين والتشريعات التي تضبط وتنظم الحرية الصحافية، ووجود ملاحظات عليها من جهات مختلفة، فإن تطبيقها على ارض الواقع لم يرتقِ الى المستوى المطلوب».

«وزير الإعلام» ناصر جودة ومنذ قيامه في الحكومة السابقة بمسؤولية الناطق الإعلامي يتحدث بشكل دوري عن وضع استراتيجية جديدة للإعلام لجهة تطويره، تلك الأفكار ما زالت «سرا» لدى جودة ولم يتم الإفصاح عن أي منها حتى الآن.

ورد في الدستور الأردني في المادة 15/1 وفي فصل الحقوق والواجبات للأردنيين «تكفل الدولة حرية الرأي لكل أردني بالقول، والكتابة، والتصوير وسائر وسائل التعبير. نصت الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أن « الصحافة والطباعة حرتان».

تمتلك الحكومة جزءاً من وسائل الاعلام، فبالاضافة الى ملكيتها الكاملة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون ووكالة الانباء الاردنية (بترا) تحتفظ بـ 63 بالمئة من أسهم المؤسسة الصحفية الأردنية (الرأي)، عن طريق المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي التي تعتبر ذراعاً استثمارياً للحكومة وتمتلك كذلك وعن طريق الجهة ذاتها 37 بالمئة من اسهم صحيفة الدستور.

رغم التوسع في منح التراخيص لمحطات اذاعية جديدة (17) إذاعة إلا أن اثنتين منهما فقط تمتلك الحق ببث البرامج والاخبار السياسة وقد فرضت الحكومة عليهما رسوما تزيد بنسبة 50 بالمئة عن الإذاعات التي تبث أخبارًا غير سياسية.

ليست القوانين والتشريعات وحدها كفيلة بتعميم الحريات الصحفية وتعميقها، وانما قبل هذا وذاك على الحكومات والبرلمانيين التشريعيين إدراك أهمية الإعلام ودوره والإيمان بذلك ولذا فان تحقيق الوصول بالشكل الصحيح نحو الحريات بمنع الرقابة على الصحف والاذاعات والمواقع الالكترونية والدعم الحقيقي للحرية يتأتى عبر سيادة دولة القانون واصدار قوانين مطلقة للحريات الصحفية لا مقيدة لها.

ليس بالتشريعات وحدها ينهض الإعلام.. الحكومات تعيق الحريات الإعلامية أيضاً
 
12-Jun-2008
 
العدد 30