العدد 27 - حتى باب الدار
 

شمل قرار عودة «المفصولين سياسياً» الذي اتخذ مع بدء الانفتاح الديمقراطي عام 1989 عشرة من طلاب جامعة اليرموك الذين فصلوا عام 1981.

صودف أنني كنت واحدا من هؤلاء العشرة. في اليوم الأول لعودتي للتسجيل بهدف اكمال السنة الأخيرة المتبقية لي، وكان ذلك في مطلع عام 1992 بسبب امتناع الجامعة عن تنفيذ العودة، تجمهر حولي عدد من موظفي دائرة شؤون الطلبة ممن كانوا في وظيفتهم في السنة التي فصلنا فيها، كنت بالنسبة لهم مثل «لقية»، حيث اندفعوا في حديث ذكريات وتحسر -من قِبَلهم- على أيام زمان، وقال أكبرهم: لقد كان لوجود نشاط سياسي في الجامعة دور ضابط ورادع لمجمل الحياة الجامعية بما فيها الأكاديمية والادارية. ثم انخرط الجميع في مقارنة بين مرحلتين.

أحاول في ما يلي أن أشرك من يشاء من القراء في عرض واحدة من حالات استخدام «نظام تأديب الطلبة» ، وكيف جرى التطبيق الميداني لهذا النظام.

خلفية عامة

استقبلت جامعة اليرموك فوجها الأول عام 1976 ،وقد تكون من حوالي 600 طالب ينتمي اغلبهم الى قرى ومدن اربد والمفرق وجرش والمخيمات وقرى الضفة الغربية، بمعنى أنها نشأت كجامعة تستوعب من لا يمكنه العيش في عمان والالتحاق بجامعتها الوحيدة آنذاك. ستبقى استحقاقات هذا التكوين الاجتماعي لطلاب الجامعة ملازمة لها طيلة السنوات الأولى من عمرها ،وهو ما سيلقي ظلالا على النشاط الطلابي فيها، دون أن نتجاوز أثر تركيبة الهيئة التدريسية فيها ،حيث استقبلت عددا من أساتذة الجامعات اللبنانية والأساتذة العرب والأجانب القادمين من بيئات ثقافية متعددة غير تقليدية بالمعنى المتعارف عليه، في تجــــربة الجامعة الأردنيـــة في النصف الثاني من السبعينات، وهو ما سيقـــود في مرحلة لاحقة الى شمــــول قرارات الفصل عدداً من الأساتذة لأسباب تتعلق بمواقفهم من النشاط السياسي والمطلبي للطلاب.

التحقت بالجامعة عام 1978 ضمن الفوج الثالث، وصادفت أمامي جواً نشطاً وتجربة تنمو، فقد كان عدد من طلبتها قد اعتقلوا في السنتين السابقتين، وكان الطلاب قد خاضوا بعض التجارب في ميدان العمل المطلبي والسياسي. كانت الجامعة قد نقلت تجربة ما سمي حينها «الجمعيات الطلابية» من الجامعة الأردنية، التي كانت قد ألغت للتو اتحاد طلبة الجامعة الأردنية وأحلت الجمعيات محله.

نظام التأديب: من يؤدب من؟

لأن هدف هذه السطور عرض إحدى تجارب تطبيق العقوبات وفق نظام تأديب الطلاب، سوف أسرع قليلاً في رواية الأحداث:

في صيف عام 1981 جرى في جامعة اليرموك اعتصام طلابي ،امتد لخمسة أيام بدأ بعنوان سياسي ،ثم كالعادة تحول الى اعتصام حول بعض القضايا المطلبية. بالنتيجة اعتقل عشرات الطلاب لمدد متفاوتة، واتخذ قرار بفصل عشرة منهم. في ما يلي تلخيص لقصة الفصل ثم العودة عنه بعد 11 عاماً، وسلسلة القرارات ذات الصلة:

لما كان قرار فصل طالب يحتاج لقرار مجلس أمناء الجامعة ،مما يعني الحاجة لبعض الوقت والنقاش، طلب رئيس الجامعة تشكيل لجنة خاصة ومنحها صلاحيات مجلس الأمناء، وهو ما تم فعلاً، وقد اتخذت اللجنة قرارها الذي بلغ للطلاب بالصيغة التالية (وثيقة 1):

الطالب أحمد علي عبدالرحمن ابو خليل

استنادا لنص المادة الثامنة من تعليمات رقم (5) لعام 1976 (تعليمات الاجراءات التأديبية لطلبة جامعة اليرموك) فقد قررت اللجنة الخاصة المخولة صلاحيات مجلس الجامعة بموجب المادة 47 من قانون جامعة اليرموك رقم 9 لسنة 1976 ،فصلك فصلاً نهائيا من الجامعة اعتبارا من تاريخ 29/7/1981 ،نظراً لدورك في اثارة الشغب وتحريض الطلبة على الاعتصام والتظاهر، مما تسبب عنه عدم انتظام الدراسة والإخلال بالنظام العام في الحرم الجامعي.

رئيس الجامعة

الدكتور عدنان بدران

في تلك السنة بادرت نقابة المحامين الى الترافع تطوعا عن الطلبة المفصولين، الذين رفعوا دعوى أمام محكمة العدل العليا أخذت الرقم 94/ 81، وتم الطعن بقرار الفصل كما هو وراد في التبليغ . وبعد تسجيل الدعوى، تراجعت رئاسة الجامعة عن السبب الوارد في التبليغ (اثارة الشغب وتحريض الطلبة على الاعتصام والتظاهر) وأرسلت عبر محاميها الى المحكمة ،ما يفيد بأن الفصل جاء بناء على «تقرير أمني خطير كشفه يؤدي الى الاضرار بالأمن العام» كما ورد في قرار المحكمة برد الدعوى، وهو ما يعني أنه تم الاستناد الى الأحكام العرفية التي تخول الجهات المختصة اتخاذ مثل هذا القرار.

في هذه الأثناء تم تعميم قرار الفصل على الجامعة الأردنية «للعلم» كما جاء في التعميم. و»العلم» هنا كان يعني تنبيه الجامعة الأردنية بحيث لا تقبـــل انتقال الطلاب المفصولين اليها، وفي ما يلي نص الكتاب (الوثيقة 2):

معالي رئيس الجامعة الأردنية

تحية طيبة وبعد:

أرجو أن أعلمكم أن اللجنة الملكية الخاصة لجامعة اليرموك قد اتخذت قرارا في جلستها رقم 166 التي انعقدت بتاريخ 21/7/ 1981 يقضي بفصل الطلبة التالية أسماؤهم من الجامعة فصلا نهائيا اعتبارا من تاريخ 17/8/1981 ،وذلك لقيامهم بتحريض الطلبة على ترك الصفوف وإثارة الشغب والاضطرابات في الجامعة. أرجو العلم.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

رئيس الجامعة

الدكتور عدنان بدران

انتهت القضية هنا الى عام 1989 وبدء ما سمي حينها «الانفتاح الديمقراطي»، وطرحت القضية التي عرفت بقضية «المفصولين سياسيا» وكان المقصود المفصولون من العمل، وقد صدرت قرارات فردية بعودتهم، وهو ما دفع الطلبة المفصولين الى تجريب حظهم، وبالنتيجة رفعنا كتاباً الى رئس الوزراء الذي بعد اجراء الاتصالات اللازمة وافق بعد موافقة الجهات الأمنية، وتم تحويل الموافقة لمجلس التعليم العالي للتنفيذ.

اصطدم التنفيذ بمعارضة رئيس جامعة اليرموك د. علي محافظة، وعند مراجعته رفض أن يكون فصلنا لأسباب أمنية أو سياسية كما سبق لرئاسة الجامعة السابقة ان أعلنت، وأصر على أن الفصل كان لأسباب تتعلق بالشغب. وطلبنا رداً خطياً، وهو ما تم بالفعل في الكتاب التالي (وثيقة 3):

رقم رأ/ 107/ 49/ 295

بتاريخ 13 شباط 1990

الطالب احمد علي ابوخليل

أشير الى الطلب المقدم من قبلكم وزملائكم الذين تم فصلهم من الجامعة عام 1981 ،وأرجو قبول اعتذار الجامعة عن عدم موافقتها على عودتكم للجامعة ،بسبب أن فصلكم منها قد تم بناء على قيامكم بإثارة الشغب والتحريض والمشاركة في الاعتصام والتظاهر، مما سبب عدم انتظام الدراسة وأخل بالنظام العام في الجامعة ولم يتم فصلكم من الجامعة لأسباب أمنية.

واقبلوا الاحترام

رئيس الجامعة

الدكتور علي محافظة

كما يلاحظ القارئ فإن رئيس الجامعة علي محافظة عاد الى النص الأصلي الذي يتحدث عن «اعمال شغب» وعن قانون «تأديب الطلبة»، بينما استند الرئيس السابق عدنان بدران الى الأحكام العرفية.

جرت سجالات مطولة مع الرئيس ونائبه لفترة امتدت أكثر من عام، واستمر الضغط بشتى السبل، وقد استثمرنا وجود حكومة طاهر المصري وما رفعته من شعارات وما قدمته من ممارسات، ثم وجود د.محمد الحموري وزيراً للتعليم العالي، الى أن أتخذ مجلس العمداء في جامعة اليرموك قرار عودتنا ،بعد تأخير استمر عاماً ونصف العام إضافة الى مدة الفصل الأصلية (10 سنوات)، وقد أبلغنا بالقرار بالصيغة التالية:

قرر مجلس العمداء في جلسته رقم 49/91 التي انعقدت بتاريخ 29/9/1991 الموافقة على الغاء قرار الفصل النهائي للطلبة التالية أسماؤهم وإعادة كل منهم للدراسة في التخصص الذي كان مقبولا فيه ،واحتساب السجل الأكاديمي كاملا لكل منهم نظراً للظروف الخاصة التي أحاطت بقرار فصلهم:

(أسماء الطلاب)

يجرى اللازم

رئيس الجامعة

الدكتور علي محافظة

لثابت والمتحول في نظام تأديب الطلبة
 
22-May-2008
 
العدد 27