العدد 25 - كتاب
 

حين يتحدث رجل ستيني عن رجل آخر في الخمسينيات من عمره، فلا غرابة أن يصفه بأنه شاب،إن لم ينعته بأنه" صغير".

أما إذا جاء ذكر شخص في العقد الثالث من عمره، فإن ابن العشرين لا يتردد بوصفه بأنه: كبير.

النسبية طبعاً.

لقد ارتفع معدل الأعمار، كما يلاحظ كثيرون في العالم وفي بلادنا. في زمن مضى كان الخمسيني يوصف بأنه شيخ وحتى عجوز. تغير هذا التصنيف للحقب العمرية.. ويكفي أن ينظر المرء لجيرانه أو زملائه في العمل ليتقين من ذلك.فلكي يكون المرء عجوزاً حقاً عليه أن يتاخم السبعين من عمره، وأن تكون صحته ليست على ما يرام. زيادة الوعي الصحي، أسهمت في الحفاظ على بنية الأفراد ومظهرهم. المعتل ومن يكدح في حياته بعمل بدني يبدو أكبر من سنه.والعكس صحيح.

وفي النتيجة، فإن من يتمتع بصحة معقولة ويعتمد "التسيير الذاتي" ولا يحتاج عوناً من الآخرين في قيامه وقعوده، فهو حكماً في منزلة ليست بعيدة عن منزلة الشباب وبصرف النظر عن سنه الحقيقي.

غير أن مجتمعاتنا العربية تشهد صراعاً مفتعلاً بين الأجيال في الكثير من الأحيان هو في واقع الامر صراع اجتماعي إن لم يكن ثقافياً.

الكبار يبالغون في تصغير من هم أصغر منهم، للتقليل من شأنهم، ونزع صفة الجدية والرشد عنهم، وكي يتسيدوا ما بقي فيهم رمق على من هم أصغر سناً. وهؤلاء بدورهم يبالغون في تكبير الكبار، لرميهم بانتهاء الصلاحية، ودفعهم للتقاعد في كل مناحي حياتهم.

في بلاد ومجتمعات أخرى تحل معايير مختلفة، كمزايا الأشخاص وكفاءتهم و حيويتهم الذهنية والجسدية وعموم نشاطهم الفردي بصرف النظر عن العمر.ثم تبرز مقاييس إضافية مثل ما يتمتع به الشخص، امرأة كان أو رجلاً، من عقلية متفتحة وأفكار شابة، ومدى مواكبته للعصر، فلا يعود أيّاً كان عمره غريباً مناخات الشبان وإيقاعهم النفسي، وإن أنكره بعض هؤلاء!.لذلك ليس غريباً في الغرب أن يتزعم شبان اتجاهات محافظة، بينما يقود من هم أكبر سناً تيارات حداثية.

الخشية أن يبدو هذا المقال دفاعاً عن كبار السن!، بينما المقصود الاحتفال بالأفكار الشابة المتجددة، والدعوة للتواصل والتساوق بين الأجيال، لكي تكتمل دورة الحياة، وكما يشتمل البستان على أزاهير وشجيرات وأشجار جنباً الى جنب، على أرض واحدة وتحت السماء الزرقاء نفسها.

وإذا كان هناك بين كبار السن من يعتبر أن الفجوة مع الأجيال الجديدة باتت كبيرة ويتعذر ردمها، فله أن يستذكر الفجوة التي كانت قائمة في شبابه بينه وبين الأب والعم والجد.وأن يسأل ذات نفسه إذا كان فعل ما يتعين فعله كي لا تتسع الفجوة،وكي لا ينقطع الشاكي عن زمانه وعصره.

الحواجز بين الأجيال هي شكل جديد من أشكال التمييز والتراتب المتعسف الذي يفسد سيولة الحياة، حتى لو بدا هذا التمييز فطرياً، هذا إذا لم يكن المرء مبالغاً في ذلك.

محمود الريماوي: لهدم الحواجز بين الأجيال
 
08-May-2008
 
العدد 25