العدد 21 - كتاب
 

يتمنى المرء لو تقوم جهة بحثية بدراسة ظاهرة التعلق المتزايد بالمال في مجتمعنا. الظاهرة عالمية وتتخطى حدودنا، لكن بما أنه لا يمكننا تفحصها في كل مكان من العالم، وبما أن حقل اهتمام الدارسين ينبغي ان يتركز على محيطهم وببيئتهم أولاً، فمن المفيد تقصي جوانب الظاهرة عندنـا.

يزعم كاتب هذا المقال ان الظاهرة تجمع غالبية الناس في المدن أساساً، وتوحد بينهم وتخترق كل الفوارق بينهم .وهي لدى الرجال أكثر منها لدى النساء، فنسبة كبيرة منهن لا مصادر دخل لهن كي يعملن على الاستزادة منها وتنميتها.

لم يعد الأمر يقتصر على طلب الرزق أو حتى الرفاه ، بل بات المال غاية وهدفاً بحد ذاته. في ما مضى كانت هناك حدود واقعية أو نسبية للطموح .لم يعد هناك الآن من حدود لطموح كسب المال.

في أزمان غابرة كانت تلصق صفات الشره والجشع بالساعين للمزيد من الأموال، حتى لو ضاقت أعمارهم وأعمار بنيهم عن إنفاقها .في زماننا فإن العظمة والذكاء والألمعية هي الصفات التي تمنح لجامع الأموال الطائلة ،حتى لو كان من يطلق هذه الصفات يجهل كل شيء عن الممدوح. أما "المستور" فيتم تفادي الاختلاط به والتشكك في جدارته والتطير منه .

الرغبة بالإقامة في أكثر من مكان ،والسفر الدائم والتمتع بخدمات فندقية وسياحية تغذي هذا الطموح . حُمى الاستهلاك والاقتناء، لإطفاء القلق سبب آخر .غير أن البعض يسعى سعياً محموماً لكنز ما لا يحصى من أموال، حتى لو بقي لابثاً في مكانه لا يبرحه .هناك قيمة متعاظمة للمال في عيون الناس بصرف النظر عن حاجاتهم الفعلية راهناً ومستقبلاً. وبصرف النظر عما ينفقونه ، فكثيرا ما يتناقص الإنفاق كلما اتسع الرزق.

ينطوي الناس في سريرة كل منهم على تطلعات مالية بغير حدود.ويبدون تكتماً شديداُ حول المسألة..وبما يفوق تحفظهم على بقية الخصوصيات الشخصية والعائلية .الخلافات بين الناس وداخل كثير من البيوت والعائلات تتم لأسباب مالية في الغالب ،وكانت من قبل تنشب لأسباب أخرى. صداقات وعلاقات تنشأ وفق مصالح مالية سواء كانت حقيقية أو مأمولة .يبدأ المرء بالسعي لسد حاجياته ثم يجرفه التيار فإذا بحاجاته بلا نهاية .

ليست مسألة رغبة بالمال، بل عبادة له تجعل العيون زائغة والسيقان ترتجف والقلوب تضطرب وقرون الاستشعار تنتصب.وقد وجد الناس فيها ما يجمعهم ويوحدهم ،رغم الفروق الظاهرة والكامنة بينهم. وهم يبتعدون عن بعضهم بعضاً في أيامنا، لسبب قد يبدو غريباً وكاريكاتيرياً .. لكنه حقيقي ،إذ يسود اعتقاد باطني مكين بأن الانشغال بالآخرين :أصدقاء وزملاء وجيران وأقارب ومعارف، يعيق السعي ويشتت الذهن عن جني أموال طائلة بطريقة ما ..بتدبير ما .لا يتم تناول هذه الظاهرة حتى في الآداب والفنون.يتم الصمت عنها، ربما كي لا يكشف البعض عن دواخله .

محمود الريماوي: ظاهرة مسكوت عنها
 
10-Apr-2008
 
العدد 21