العدد 19 - اقليمي
 

سليم القانوني

أكثر من أية دولة أخرى، ترتبط القمم العربية بمصر الدولة والمركز و«الزعامة». القمة الأولى استضافتها مصر في مدينة أنشاص العام 1946 ودعا إليها الملك فاروق وشاركت فيها الى جانب مصر ست دول عربية مستقلة آنذاك هي :سورية، والأردن،ولبنان، والسعودية، واليمن والعراق..عقدت تلك القمة بعد عام من إنشاء الجامعة العربية في القاهرة، وكان الهدف من عقد القمة الأولى مناصرة القضية الفلسطينية.

مصر الناصرية بعد العام 1953 لم تول اهتماماً لعمل عربي رسمي مشترك بما في ذلك عقد لقاءات قمة.كانت الناصرية تشكل زعامة شعبية عربية، وقد تكرست هذه الزعامة في العام 1956 مع مواجهة العدوان الثلاثي : فرنسا، وبريطانيا، وإسرائيل على مصر وقطاع غزة.

يذكر أرشيف القمم العربية أن لقاء على مستوى القمة جمع تسعة زعماء عرب في بيروت في 13 تشرين الثاني/نوفمبر العام 1956 بدعوة من الرئيس اللبناني كميل شمعون.تمثلت مصر في اللقاء على مستوى سفير هو: عبدالحميد غالب، السفير في بيروت. وهي المرة الوحيدة التي اشتركت فيها مصر على هذا المستوى.تفسير ذلك أن مصر كانت في اشتباك سياسي مع دول عربية أخرى منها لبنان، حول مشاريع «ملء الفراغ» الأميركية بعد رحيل المستعمرين القدامى.

الوحدة مع سورية

تواصلت في الأثناء زعامة مصر بقيادة الرئيس الراحل عبد الناصر لحركة شعبية بعضها مؤطر وغالبيتها عفوية، إذ كان يخاطب جماهير أمتنا العربية بصورة مباشرة.وضمن هذه الزعامة أقيمت الوحدة بين مصر وسورية في العام 1958، وهي السنة نفسها التي جرت فيه حركة الضباط العراقيين التي أنهت الملكية في العراق. وقد دعمت مصر تلك الحركة ولم تلبث أن اختلفت مع زعيمها عبدالكريم قاسم. وجرى إسناد مصري بالسلاح والرجال لثورة السلال في اليمن العام 1961 في ذروة الانقسام العربي، فقد وقفت السعودية والأردن آنذاك في صف أمام اليمن. وفي الحصيلة تكرست الجمهورية الوليدة.

في تلك الفترة مطلع ستينات القرن الماضي، تعرضت الزعامات االناصرية لاختبارات قاسية مع وقوع انفصال الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة (سورية) عن مصر، وجاء صعود حزب البعث في سورية في العام 1963 لينازع عبدالناصر على الزعامة دون استعادة الوحدة.

هذه التحولات دفعت مصر الناصرية لمراجعة رؤاها بخصوص الحرب العربية الباردة بين معسكرين، فكانت قمة القاهرة في 13 كانون الثاني/يناير من العام 1964 التي يصنفها بعض الدارسين على أنها أول قمة عربية.في تلك القمة بدأ تداول تعبيرات مثل: التقارب العربي، والعمل العربي المشترك. وفي أيلول/سبتمبر من العام نفسه عقدت قمة أخرى في الاسكندرية لمواجهة مشاريع تحويل روافد نهر الأردن. وجرى تداول «وضع خطة لتحرير فلسطين عاجلا أو آجلاً». وضمت القمة الكيان الوليد : منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة أحمد الشقيري. وباتت مصر تتزعم العمل العربي الرسمي لا الشعبي فقط.

حتى كانت هزيمة العام 1967 التي أدت لاحتلال شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان. وما تبع ذلك من انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني.بذلك تعرضت الزعامة المصرية لاختبار أشد قسوة من أي اختبار سابق. وقد نجحت هذه الزعامة في ترميم مكانتها بالدعوة لقمة الخرطوم التي عرفت بقمة اللاءات الثلاث : لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف. ثم بشن حرب الاستنزاف على الاحتلال الإسرائيلي في سيناء بعد شهور على «النكسة»، غير أن جدلاً واسعاً اندلع في مصر والعالم العربي، تم فيه الربط بين الحكم الفردي والهزيمة، وتم طرح خيارات يسارية لمواجهة واقع الهزيمة. وخلال ذلك تمت الموافقة على القرار 242.

وقد صمدت مصر الناصرية أمام الاختبارات القاسية وإن لحقت بصورتها بعض الأضرار.وظلت تتزعم العمل العربي، وقد عقدت آخر القمم التي دعا إليها عبدالناصر في 23 أيلول/سبتمبر في القاهرة إثر اندلاع المواجهات مع المنظمات الفلسطينية. إذ أمكن عبر هذه القمة وقف إطلاق النار وانسحاب المنظمات الى أحراش عجلون.

وفاة عبدالناصر

بعد أيام على القمة وانتقال الحكم الى أنور السادات، أضفى تغييراً متدرجاً على صورة مصر وزعاماتها. فقد جرت الاستدارة لتوطيد العلاقات مع الولايات المتحدة ووقف العلاقة الخاصة مع الاتحاد السوفييتي. ثم وقع انكفاء مصري رسمي عن قيادة العالم العربي، وطيلة ست سنوات لاحقة لم تشهد القاهرة انعقاد قمم عربية. رغم أن تلك الفترة شهدت وقوع حرب اكتوبر/تشرين الأول في العام 1973 وهي التي وصفها السادات بآخر الحروب.وبعد أقل من عام عقد مؤتمر جنيف الدولي برعاية الأمم المتحدة،وكان واضحاً أن تل أبيب ترغب في عقد اتفاقات ثنائية مباشرة. وهو ما تم في العام 1979 بعد نحو عام من الزيارة المذهلة التي قام بها السادات الى تل أبيب ومخاطبته الكنيست. أدى ذلك الى قطع غالبية الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع القاهرة، وانتقال مقر الجامعة العربية من العاصمة المصرية الى تونس.

لم تتخل القاهرة فقط عن زعامة العالم العربي، بل وقع شرخ عميق في العلاقات المصرية لا سابق له. أصبح معه إرث عبدالناصر جزءاً من الماضي.لكن لواء الزعامة لم ينتقل لأحد. رغم بروز جبهة للصمود والتصدي، ومحاولات عراقية وليبية آنذاك لتسنم القيادة، ورغم صعود المقاومة الفلسطينية. والحال أن نشوب الحرب الأهلية ـ الإقليمية في لبنان واستعصائها على الحلول، كشف عن فراغ سياسي في المنطقة في وقت شهدت فيه المنطقة الفورة النفطية، وارتفاع اسعار هذه السلعة الاستراتيجية.

في صيف العام 1982 وقعت الحرب الإسرائيلية على لبنان والمنظمات الفلسطينية فيه. ومع نهاية ذلك العام كسرت منظمة التحرير قرار وقف العلاقات مع القاهرة.ومع اغتيال السادات في الفترة نفسها، وترؤس نائبه حسني مبارك جمهورية مصر العربية بدأت العلاقات بالعودة تدريجياً، وشهد العام 1984 عودة الجامعة الى مقرها الدائم في القاهرة.

ما يصف بتراجع وزن أو مكانة مصر في العالم العربي، يعزوه كثيرون، وبالذات في في مصر، الى تغير الأولويات الرسمية التي باتت تضع الوضع الداخلي في صدارة الاهتمام. والانتقال من ذلك لمنح أولوية لدول الجوار : السودان، وليبيا.

الرئيس مبارك نفسه، صرح غير مرة بأن مصر لا تبحث ولا تسعى لزعامة العالم العربي.واقع الأمر أن العرب هم من يسألون بلد الكنانة العودة لموقع القيادة،بعدما تبين أن محاولات دول أخرى لتولي القيادة، إنما يتم تعظيماً لمصالح تلك الدولة وليس لـ«الصالح العربي العام». غير أن الرؤية المصرية، كما تدل خبرة العقدين الماضيين، تفيد أن القاهرة تنطلق من تكريس الشرعية العربية: ميثاق الجامعة وقرارات مؤتمراتها وقرارات القمم، والاحتكام اليها.

انشطار العالم العربي

في العام 1990 ومع عقد قمة القاهرة التي أجازت حرب «عاصفة الصحراء» تحت لواء الولايات المتحدة، بدت القاهرة ممثلة لشطر من العالم العربي دون شطر آخر.كانت المشاركة المصرية، شأن المشاركة السورية، رمزية في تلك الحرب التي تمت بها استعادة الكويت،ومع ذلك، فإن هذه الرمزية كرست انقسام العالم العربي آنذاك على مستويين رسمي وشعبي. وقد جهدت القيادة المصرية بعدئذ في الانتقال لأداء دور الأخ الكبير، وسعت لتقاسم هذا الدور مع المملكة العربية السعودية، وبدرجة أقل مع سورية، قبل أن تتراجع علاقة القاهرة والرياض بدمشق في الأعوام الأربعة الماضية،وذلك في ضوء الموقف السوري «التدخلي» في لبنان.

بهذا، فإن تراجع الدور المصري يعود الى قرارات ذاتية، تستند الى صعوبات اقتصادية داخلية، وفي جانب منه الى ضغوط أميركية في ضوء المنحة السنوية الأميركية لمصر: زهاء ملياري دولار. كما أن الحقبة نفسها منذ مطلع الستينات شهدت انفراد الولايات المتحدة بوصفها دولة عظمى بما كان له من انعكاس على خيارات مصر وأدائها.

هناك تراجع مصري أكيد، غير أن هذا التوصيف لا يكتمل إلا بالإشارة الى تراجع في مجمل وزن الكتلة العربية، فالنقص الحاصل لم يتم تعويضه بقدرات ذاتية عربية، بل ببروز محور إيراني سوري يتغذى، في بعض جوانبه، من ضعف حصيلة أداء معسكر الاعتدال العربي، ومصر في طليعة هذا المعسكر، بينما يجد هذا المحور في تعزيز النفوذ الإيراني والأدوار السورية في لبنان وفلسطين والعراق، هدفاً ثابتاً له، ومنصة انطلاق نحو بلوغ أهداف أكبر.

القاهرة والقمم العربية: انكفاء مصري وفراغ عربي
 
27-Mar-2008
 
العدد 19