العدد 18 - أردني
 

لمى كمال *

منذ أصبحت عاصمة الأردن الحديث، شهدت مدينة عمان تغيراً مستمراً في شخصيتها المعمارية. فخلال العقود القليلة الماضية ظلت الحركة العمرانية المستمرة والتوسع الأفقي للمدينة و تطور شبكة الطرق والجسور من سماتها الأساسية، حتى أن من عاد إليها بعد مضي بضعة أعوام فوجىء بمعظم مناطقها وقد أصبحت أشبه بموقع عمل لمشروع غير منته، فما الذي تغير الآن، وفي أي سياق يمكننا استيعاب حجم و شكل التغيرالحاصل على حركة البناء والعقار منذ أعوام قليلة ؟

من الصعب استيعاب حجم هذا الإختلاف الآن ، فالمشاريع الكبيرة ، وهي في مجملها قيد الإنشاء لم تكتمل بعد وما زالت غير مأهولة بالحياة والناس، لكن أحد أوضح الفروق أن سرعة النمو الذي شهده قطاع العقار خلال العقود الماضية أحدث متغيرات أكثرها سياسي وديمغرافي، وهو ما أدى في كل حالة إلى نمو مناطق محددة من المدينة، نتيجة لتمركز رؤوس أموال مجموعات من الأفراد فيها، بصورة تلقائية – وربما كان أبرز مثل على ذلك تطور الأسواق التجارية في شارع وصفي التل ومنطقة الصويفية.

أما النمو الذي يحدث حالياً فهو نتيجة لإرادة صانع القرار، بتحويل عمان إلى بؤرة استثمار للمنطقة لتكون هي المحطة والمستقر. وقد تبعت هذا القرار محاولة جدية للتخطيط المنظم للمدينة، جاء نتيجة لإدراك أهمية التخطيط الحضري: فالمدينة مرآة لساكنيها تعكس هويتهم و ثقافتهم وأسلوب حياتهم، وهي كذلك -بفعل تكوينها- توجه سلوكهم في التحرك والإستخدام، وعليه فإن هذه القرارات إيجابية في جوهرها بالتأكيد، فذلك أفضل من الإنصياع لظروف آنية و قرارات موضعية كما كان الحال في السابق. لكن السؤال المثار هنا هو : هل نحن مدركون للكيفية التي ستغير بها المشاريع الجديدة مدينة عمان التي نعرفها ونألفها؟.

هنا يتعين أن ننظر إلى جوانب عدة ،من دون أن نحصر النظر بموضوع الطابع المعماري لمدينة عمان، التي اشتهرت بمكعباتها الحجرية والإسمنتية المتراكبة. كما يجب ألا نقف عند مناقشة الإرتفاع المناسب للمباني و البنية التحتية المطلوبة لخدمتها بل نتجاوزها للنظر إلى جانبين رئيسيين :

الأول يخص العلاقات النسبية بين العناصر المكونة للمدينة. وهو ما يحدث حين نصل منطقة بأخرى، أو لدى فتح الشوارع الجديدة و الجسور، أو عند الفصل والحوصلة نتيجة استخدام أنماط معينة من البناء مثل إنشاء مجمعات سكنية أو تجارية مستقلة عما حولها. مثل هذه المجمعات بوصفها أبنية ضخمة تضم تجمعات سكانية أو تجارية مكتفية بذاتها ومنعزلة عن محيطها، تتحول إلى كيانات إسمنتية تصد الناظرين إليها ولا تشجع الآخرين على دخولها، ليس لجهامتها فحسب بل ربما لوجود إجراءات أمنية تجعل الدخول إليها أمرا محفوفا بالمتاعب، وهو ما يضعف الروابط الاجتماعية لسكان المنطقة أو الحي.

عندئذ تتغير العلاقات النسبية بين المناطق، فتنتقل البؤر والمراكز الحيوية من أماكن إلى أخرى، وتصبح بعض المناطق حيوية فيما تصبح مناطق أخرى منعزلة، مع مايفرزه ذلك من تغيرات وما يحمله من دلالات إجتماعية واقتصادية وثقافية و أمنية.

أما الجانب الثاني فيخص موضوع الهوية. تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض المناطق المهمة في عمان مثل جبل اللويبدة أو منطقة أم أذينة التي تعتبر حديثة نسبيا، والتي كانت مناطق ذات طابع سكني خاص، تتحول الان إلى مناطق تجارية بالتدريج. بتنا نشهد منظرا لم نألفه من قبل وهو رؤية مساكن تهدم لتحل محلها بنايات تجارية، في إشارة إلى طغيان القيمة المادية للعقارعلى القيمة المعنوية والإنسانية للمكان. ينتج عن ذلك فقد للصلة بما هو قديم، وبروز فجوة واضحة في البعد التاريخي للمكان. فالقديم يحمل في طياته مخزوناً لا ندرك عمقه و لا أثره، لكنه هو الذي يشكل الهوية. ومن الهوية يأتي فهم الذات، ومن فهم الذات تأتي القدرة على فهم الآخر والتعامل معه.

المدن العريقة تحتفظ بجزء كبير من ملامحها، لكنها تمتد و تتطور وتواكب الحداثة، وهذا ما يجب أن نسعى لتحقيقه في عمان، فإن لم نحافظ على العناصر والمناطق الغنية في المدينة،التي تحمل في طياتها مخزونا من الثقافة و التاريخ، فإننا سنجد أنفسنا أمام ثغرة حضارية كبرى. لا بد من وضع سياسات لمنع تدمير شخصية المكان، وهذا يعني الحفاظ على الشكل الخارجي للمباني بالإضافة للمحافظة على نمط الإستخدام. وأخيرا فإن هنالك دورا للمثقفين المعنيين بتثبيت القيم المعنوية للمكان، وربط المكان بالهوية وبالثقافة، حتى يكون التغيير ممكنا ومستنداً إلى مرجعيات ثابتة.

*مهندسة معمارية

هوية العاصمة ليست ترفاً.. المجمعات الكبيرة كيانات إسمنتية تصد الناظرين
 
20-Mar-2008
 
العدد 18