العدد 17 - أردني
 

سعد حتّر

تتأرجح الحكومات بين عهدين؛ العرفي والانفتاحي. إذ لا يبدو أنها حسمت موقفها حتى الآن من بعث أو دفن وزارة الإعلام بعد خمس سنوات من شطبها من سجل الحقائب في عهد فيصل الفايز.

الضبابية ذاتها تغلف دور وصلاحيات الناطق الرسمي باسم الحكومة. فهل يقف دور ناصر جودة عند إطلاق ردود نارية على اتهامات محلية وخارجية أو عقد مؤتمرات صحفية أسبوعية لا تحمل جديدا في معظم الأحيان؟ أم أن دوره يتعدى ذلك إلى «غزل» أجندة الحكومة وبناء «استراتيجية» إعلامية كما نقل عنه «أصدقاؤه» رؤساء تحرير صحف يومية شبه رسمية ومستقلة جمعهم جودة مطلع العام الحالي، بعد شهر من تثبيته ناطقا رسميا ووزير دولة في حكومة نادر الذهبي. مذ ذاك، تدور تساؤلات حول دور الناطق/وزير الدولة في عالم رقمي متغيّر تنتشر عبر فضائه المئات من شبكات التلفزة والمواقع الالكترونية.

فهل يرث الناطق الرسمي صولجان وزير الإعلام؟ لقب بدون مقر، حقيبة بدون مظلة أو تشريعات ناظمة بعد تشتت أذرع الوزارة السابقة.

من الواضح أن جودة لا يرسم أجندة إعلامية بقدر ما يبدع في حقل العلاقات العامة، ناسجا علاقات اجتماعية مع غالبية الصحفيين.

وهو ينشط في «غزل» التصريح تلو الآخر أمام عدسات التلفزة، لكن يبدو بانتقائية تغربل ما تريد الحكومة وصوله إلى المتلقي داخل المملكة أو خارجها.

يعتقد الكثير من الساسة أن على الناطق الرسمي امتلاك مهارات المناورة، فن البلاغة وتطويع الكلم. لكن واقع ثورة المعلوماتية تفرض الانتقال من خندق مواراة الأخبار إلى الشفافية المدروسة، لأن الأردني وغير الأردني يستطيع ولوج مئات المواقع والفضائيات بحثا عن معلومة محجوبة محليا.

لقد ولّى زمن «البيان العسكري رقم واحد» ، «صرّح مصدر مسؤول» أو برامج «أكاذيب وحقائق».. حين كانت إذاعات منتصف القرن الماضي تنفرد بالوصول إلى أفئدة المستمعين أو اقتحام عقولهم.

قد لا يقول المسؤول كل الحقيقة لأسباب تتعلق بالأمن الوطني، لكن لا يحق له لي عنقها أو تشويهها.

فيبدو أن الحكومات تقدس مقولة: «ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال قد حضر أهله، وليس كل ما قد حضر أهله قد حان وقته».

خمس سنوات مضت مذ ألغيت وزارة الإعلام، على يد وزراء يوصفون «بالديجيتال» ضمن خطط فك الارتباط بين الدولة المركزية والحكومات الليبرالية.

فأين نحن من ذلك القرار؟

سئل حكيم ما هو سر النجاح؟.. فأجاب قرارات صائبة. ثم سئل كيف تتخذ القرارات الصائبة؟ فرد: من الخبرة. وحين سئل كيف تتراكم الخبرة؟ أجاب الحكيم: بقرارات خاطئة.

فهل نصل إلى مرحلة تراكم الخبرة في مملكة مر عليها 61 حكومة منذ تأسيسها، بمعدل عشرة أشهر لكل منها في المنصب.

نحت منصب الناطق الرسمي في حكومة فيصل الفايز عام 2003 وتولته أسمى خضر، القادمة من الحركات اليسارية وتنظيمات مناصرة المرأة. يحسب للسيدة خضر إدامة الاستجابة لكل صحفي يتصل بها، لكنها كانت تعاني من شح المعلومة- ربما بسبب برودة خطوط التواصل مع مطابخ صناعة القرار خارج الحكومة، ما ترك آثارا سلبية على أدائها. ثم انتقلت راية الناطق الرسمي إلى جودة في حكومة معروف البخيت أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2005. وحين شكّل نادر الذهبي حكومته قبل أربعة أشهر، قرن بين الناطق الرسمي ووزير دولة لشؤون الإعلام والاتصال- وبالتالي حمل العصا من المنتصف في مواجهة آراء تؤكد فشل تجربة إلغاء الوزارة.

لم يتغير جودة كثيرا منذ حمل حقيبة الإعلام أول مرة عام 1998 في حكومة فايز الطراونة الانتقالية بين عهدين. وهو اليوم يعود بمسمى وظيفي مختلف.

في تلك الحكومة صدر قانون مطبوعات ونشر مثير للجدل ينص على سجن الصحفي المخالف. بلغته الدبلوماسية، تصدّى وزير الإعلام الأسبق لانتقادات الصحفيين آنذاك، مؤكدا أن الحكومة لن تحيل أيا منهم للقضاء، وهو يعلم أن ذلك القانون كان جاهزا كالمقصلة على رقاب الصحفيين. تكررت تطمينات الناطق الرسمي عقب عودته قبل أسبوعين من اجتماع وزراء الإعلام العرب الذين وضعوا في القاهرة ميثاقا مشتركا للجم الفضائيات. إذ سعى صديق الصحفيين، الذي بدأ حياته العملية في مكتب ولي العهد الأسبق، لطمأنة المتشككين مؤكدا أن الميثاق ينحصر بتعليمات «استرشادية غير ملزمة».

قبل أن يدخل وزارة الإعلام، هبط جودة على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وألم بسرعة بتقنياتها. يختلف تعامله مع وسائل الإعلام، إذ يستخدم لغة الأمر مع الإعلام الرسمي بخلاف نبرة الود مع الإعلام الخارجي.

تكمن مشكلته، بحسب أحد من عملوا معه، في أنه يعتقد أن الصحفيين بحاجة له وليس العكس.

اعتداده بالنفس يلامس حد الغلّو في أحيان كثيرة. يصفه آخرون بأنه دمث ولطيف المعشر، وهي من أهم مقومات الواجهة الإعلامية لأي جهة.

يتساءل إعلاميون ومسؤولون سابقون عن دور وزير الدولة؛ ترويج وتوضيح القرارات الحكومية أم يتعداها لوراثة مؤسسات وزارة الإعلام، التي غدت يتيمة منذ إلغاء مظلتها الرسمية عام 2003؟

إلغاء وزارة الإعلام شتّت مرجعيات المؤسسات التي كانت تدور في فلكها وعطّل أداء بعضها. كما ترك تعريف الناطق الرسمي مطّاطا بين تركة الوزير السابق ولسان حال الحكومة.

في المرحلة السابقة، كان وزير الإعلام يشهر دون مواربة سلطاته في فرض أو حجب نشر معلومات. اليوم، يصعب تعريف صلاحيات وزير الدولة والناطق الرسمي.

يرى مسؤولون سابقون محافظون أن المشهد الأردني لمّا ينضج كفاية إلى مرحلة تغييب وزارة الإعلام، بخاصة في ضوء تحديّات وانهيارات في الإقليم وهجمات على الأردن.

فمحاولات الإساءة للأردن لا يتصدّى لها ناطق حكومي، بل شفافية وصدقية الخطاب الرسمي. أما داخليا، فيمكن توزيع مهام الناطق الرسمي على كل مؤسسة يزرع بها متحدث كفءٌ يعكس أداءها.

ذلك أن الناطق الرسمي لا يستطيع الإلمام بجميع القضايا التخصصية بخاصة بعد الاعتماد على وزراء تكنوقراط.

حتى الآن، ليس واضحا أين يقف ناصر جودة. فهل هو مسؤول رفيع المستوى يوضح للناس إجراءات الحكومة وقدراتها، أم هو لسان حكومي للتعبير الموسمي عن ردّات الفعل؟

مع الإقرار بأهمية الناطق الرسمي للدفاع عن سياسات أي حكومة، لا بد من وجود ماكنة إعلامية متطورة بعيدة عن تأثير السلطة التنفيذية. محرك هذه الآلة يجب أن يكون إعلاما شفافا ذا صدقية عالية، لا يدافع عن الحكومة حصرا، بل عن الدولة بكل مكوناتها.

الناطق الرسمي.. بين وزارة موؤدة واستراتيجية منشودة
 
13-Mar-2008
 
العدد 17