العدد 2 - ترحال
 

لا عجب أن المنطقة هنا عشقُ الطيور وملاذُ مئات الأنواع من الحيوانات التي لولا عناية الطبيعة بها لانقرضت. تعانُق الجبال مع السهول مع المياه العذبة جعل ضانا تبدو جنةَ هذه الأنواع على الأرض.

ذهبنا إلى ضانا ونحن مليئون بالأسئلة والتوقعات.. هل سنرى غزالاً يقفز هنا وهناك، أم ثعلباً يبحث عن حيوان في مملكته يسد رمقه.. وهل ستكون الزهور حمراء أم زرقاء؟

لكن الطبيعة دائماً تمنح أكثر من ما يتوقع المرء، والجميل في السياحة البيئية أنها غامضة، فلا أحد يعرف ما الذي ستتكرم عليه الطبيعة به.

استقبلَنا النسر الأسمر الذي يؤكد باحثون أن المسافة بين الحد الأقصى لجناحيه ثلاثة أمتار. بين جبال ضانا الطبيعية حلّق النسر المعروف بإطلالته كلما رأى زائرين. هل يرحب هذا النسر بنا، أم يحذرنا من عواقب وطء أرضه العذراء، وإقلاق راحة «إخوته» من الطيور والوحوش الذين يصرّون على الاختباء، بعيداً عن عيون الغرباء والفضوليين.

جمال المنطقة لهواة رياضة المسير والتسلق يكمن في الممرات التي تتدرج من السهل الذي يستغرق نحو الساعة، إلى الصعب الذي يتطلب ساعاتٍ يحتاج المرء فيها إلى قوة ولياقة بدنية عالية...كلما تواصَلَ السير، ازدادَ كرمُ الطبيعة، وكأنها تقول أن لا جنى من غير تعب. صخور نَمّتها السنوات، وشجيرات استدلّت على طريقها بين الصخور بالفطرة والتحدّي والرغبة في العيش، واكتفت بِمِنَح السماء من مطرٍ، يجود أحياناً، ويقتر أخرى. وثمة حيوانات وطيور جارحة، وأخرى أليفة، تحنانةٌ على الطبيعة، فتُحَنْحِن الطبيعة عليها في تآلف وتناغم لا ينغصهما سوى تدخّل إنسان يعجز عن فهم معزوفة الطبيعة، أو الاستماع إلى وقعها الشفيف. وفي مكان قريب، توقفت مترقِّبَةً سحليةٌ بنية «تركض» على التراب، ولونُها لونُه، فيما أحاط بها «غرباء» يلتقطون الصور ليتباهوا بها أمام سكان المدينة.

في ضانا، هناك خيارات عدة لقضاء الليلة، أقلّها تكلفةً نصبُ خيمة، أو المبيت في «المخيم»، أو بيت الضيافة، وكلها خيارات تشرف عليها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة.

في تلك الليلة، ودّعنا الأرق، لم نحتَج لتلفاز «ينعسنا»، أو لكتابٍ يهدهدنا طمعاً في إغماضة جفن. في ليلتنا هناك، كان يكفي هواءٌ نقي لنغمض العيون توقاً إلى صبيحةِ يوم آخر نستيقظ فيه على أشعةٍ ذهبيةٍ تتسلل شيئاً فشيئاً إلى مخادعنا.

نهارُنا الثاني في المنطقة كان بطعمٍ مختلف: طيور الزرزور تحلّق وتغرّد، فيما هي تبحث عن شيء تقتات به، وذئب وقف من علٍ يتأمل المكان كما وقفنا نحن على جهة مقابلة، ولكن بمنأى عنه. هذا الوحش، هل يحفظ المكان، أم يتحسر على المدنية التي أثقلت ظلها عليه؟

وكما هي غنيةٌ بتنوعها الحيوي، غنيةٌ هذه المنطقة بمعادن «نفيسة» أيضاً، وهي حيرى بين طمع الإنسان وبين ميله نحو الحفاظ على ما تبقى من براءة الطبيعة. الزائر هنا عليه خلْع ثوب الواقعية وعدم الرضوخ لحساب الأرقام، فلا مردود مادياً يعوّض عن سيمفونية الطبيعة.

ضانا: سيمفونية الطبيعة
 
01-Aug-2009
 
العدد 2