العدد 2 - ثقافي
 

الروائي الفلسطيني يكتب عن بقايا المكان

أعطى الروائيون الفلسطينيون، في زمن مضى، رواية متفائلة قالت بأمور ثلاثة: استعادة فلسطين كاملة وهزيمة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما دارت حوله معظم أعمال غسان كنفاني، والحديث عن بطل نموذجي يواجه الصعاب ويخرج منتصراً، وهو ما قام به جبرا إبراهيم جبرا إلى حدود المبالغة، والتوحيد بين المستقبل والانتصار، الذي كان سمة ما دُعي بـ«أدب المقاومة». محا المآل الفلسطيني، بعد اتفاق أوسلو بخاصة، هذه الأفكار، وجاء برواية جديدة، تصف الواقع ولا ترسم الرغبات.

تأمّلَ أكرم مسلّم في روايته سيرة العقرب الذي يتصبّب عرقاً، الحائزة على جائزة الكاتب الشاب الفلسطينية للعام 2007، حياة الفلسطينيين «بعد الاستقلال»، منتهياً إلى صورة مأساوية لا ينقصها العبث. بنى الروائي عمله على صورة «الإنسان المعطوب»، الذي ينتظر مستقبلاً لا ملامح له. وما صورة الفلسطيني، كما جاء في الرواية، إلا صورة عن مكان يتقلّص وينكمش ويتفتّت، ويجبر الإنسان الذي يعيش فيه على مقاسمته تجربته.

عمد الروائي، الذي لا يستطيع أن يعبّر عن تجربته بشكل مألوف، إلى الرمز والاستعارة والمجاز: فبطل الرواية ولدٌ وحيدٌ لإنسان يمشي على ساق واحدة، بعد أن ذهبت ساقه الأخرى في صدفة بائسة، في انتظار مرض السكّري الذي يأخذ من الأب بصره. وإذا كان في الساق الوحيدة والعمى ما يعبّر عن العجز، فإن في الوليد الوحيد، الذي لم يستطع الأب إنجاب غيره بعد فقدان ساقه، ما يصرّح بالخصاء. بيد أن صورة الخراب لا تكتمل إلا بمصير «السجين المحرّر»، الذي قضى في السجن ثمانية عشر عاماً، لأنه كان «بغل ثورة»، بلغة الرواية، خرج إلى العمل في كراج، وظل «بغلاً» كما كان. ظل المقاتل القديم «بغلاً»، في الحالين، غريباً عن «رام الله الاستقلال»، التي يمطر شتاؤها مالاً، ويزهر ربيعها «بنايات وأبراجاً وفيلات ومؤسسات...»

جعل الروائي من الفلسطيني عقرباً يتصبب عرقاً، مشيراً إلى وجود هجين، لا هو بالاحتلال ولا هو بالاستقلال، ويساوي فيه حضور السلطة غيابها، ويتساوى الدخول إلى السجن والخروج منه. لعل هذا الوضع هو الذي يدفع به إلى سخرية سوداء، تعبث بالاحتلال والسلطة الفلسطينية معاً، مذكّراً بعبث إميل حبيبي في روايته الشهيرة: الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل.

إذا كان إميل حبيبي قد سخر من دولة الاحتلال، في الماضي القريب، فإن أكرم مسلّم يسخر اليوم من «دولة الاستقلال» أكثر مما يسخر من سلطة الاحتلال، مع فرق أكيد بين الطرفين: صنع حبيبي سخريته من ضحك كثير وحزن قليل، وخلق «مسلّم» سخريته، بموهبة واضحة، من حزن كثير وضحك قليل.

أكرم مسلّم: سيرة العقرب الذي يتصبّب عرقاً، دار الآداب، بيروت، 2008

مأساة المثقف في مجتمع الأقنعة

يوهم الروائي الكويتي طالب الرفاعي، في روايته الثوب، بقول الحقيقة متوسلاً عناصر ثلاثة: تعيين المكان تعييناً دقيقاً، الكويت بشوارعها وأماكنها العامة، تحديد الزمن بتواريخ لا التباس فيها، وشخص الروائي، الذي يحضر في النص باسمه الصريح. توحي هذه العناصر بأن الروائي يقول ما يراه في حياته اليومية، وأن ما يسرده عاشه، أو سيعيشه، مسَّ ذلك قضايا فردية، أو طبائع هجينة تجمع بين الاستهلاك «الحديث» وعقليات منقطعة عن مبادئ الحداثة. ومع أن ما يقول به قد يبدو يومياً، ومبذولاً في يوميّته، فإن تصوره الروائي للعالم يلتقط المأسوي قبل غيره، مؤكداً، بهمس شفيف، أن في الوجود الإنساني فجوة لا ترمَّم.

ثلاثة مواضيع تلفت النظر في الخطاب الفكري الذي صاغته رواية الثوب: مجاز «الثوب» الذي يختصر منظور فئة اجتماعية، تعتقد أن المراتب الاجتماعية موروثة، وأن ما لا تسوّغه الوراثة البعيدة غير جدير بالاعتراف. ومعنى «الأديب» في مجتمع يعتنق «الكمّ» ويحتفي بالبيع والشراء، ويبارك تفوق الشراء على البيع. وعلاقة الكتابة بالحقيقة، التي توحّد بين القيم والإبداع، وتقرّر أن الإبداع بلا قيم يعارض الإبداع ويلغيه.

يشكل مجاز «الثوب» القوام الصلب الذي تنهض عليه رواية طالب الرفاعي، فلكل فرد ثوب ورثه عن عائلته، ولكل عائلة، مهما تبدّلت وتطورت، ثوب لا يلتبس بغيره، وكل ثوب مقام ومرتبة، جدير بأهله لا بغيرهم. يعبّر الثوب، في مجازه الخصيب، عن ركود المجتمع وتكلّس قيمه، بل عن يباس طرائق نظره.

ترجم الروائي مجاز الثوب، حكائياً، بشكلين: شكل أول يحكي قصة سيدة تنتمي إلى «عائلة عريقة» تزوجت إنساناً من عائلة عادية، وطردته لاحقاً بسبب التفاوت بين هيبة العائلتين، فلكل عائلة ثوب لا يحق لها أن تلبس غيره. وشكل ثانٍ سردَ قلقَ تاجر مشهور يملي سيرته الذاتية على «روائي»، ويحرص أن لا يعرف أحد شيئاً عن «حياته الخاصة»، بقدر ما سردَ شقاءَ الروائي الذي يسعى وراء الحقيقة ويرفض أنصاف الحقائق.

يدور سؤال الرواية عن الرقابة الذاتية الموروثة، التي تسوّغ جميع ألوان الرقابة. وإذا كان الإبداع الروائي فعلاً حراً ويدعو إلى الحرية، فما هي إمكانية الإبداع في مجتمع تأخذ الرقابة فيه شكل العادة؟ ينهي الروائي عمله بجملة صغيرة كثيفة: «الكتابة مخاطرة بدءاً ومنتهى».

أعطى الرفاعي، في روايته الثوب، صيغة حكائية محكمة لثقافة عبادة التقاليد، مبرهناً أن «الأفكار ليست ملقاة على قارعة الطريق»، خلافاً لما قاله الجاحظ ذات مرة، وأن الفكرة المبدعة الخصيبة قادرة على بناء عمل روائي جدير بالقراءة. تأمل وهو يمزج بين علم الاجتماع والرواية الشروط الاجتماعية للكتابة الروائية، فلا رواية بلا متخيّل فاعل، ولا تخيّل في مجتمع يلقن الإنسان تعاليم المستور والمكشوف، ويرى في الإنسان، وهو قيمة مستقلة بذاته، امتداداً لأعراف عائلية تمحو الأفراد.

طالب الرفاعي: الثوب، دار المدى، دمشق، 2009

المدينة الفاضلة التي صارت كارثة

أدمنت الرواية العربية على النهايات السعيدة مرتين: مرة أولى حين اطمأنت إلى «الصبي الواعد»، الذي يسير إلى مستقبل سعيد مضمون الوصول، وهو ما فعله توفيق الحكيم في عودة الروح وغسان كنفاني في ما تبقى لكم، وفعله كثير غيرهم، ومرة ثانية حية جاءت «الواقعية الاشتراكية» بـ«البطل الإيجابي»، الذي يخوض معارك كثيرة ويخرج منتصراً، حال روايات السوري حنا مينة والجزائري الطاهر وطار.

بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 التي توالدت في هزائم لاحقة، استبدلت الرواية العربية بالبطل المنتصر أبطالاً يحملون سمات نقيضة، مثل: الطفل المشوّه والمشلول المستبد والمثقف الذي يُؤثر الانتحار، حال بطل غالب هلسا في الروائيون وبطل بهاء طاهر في واحة الغروب.. واجهت الرواية، بعد أن أصبح التداعي قاعدة، وضعاً جديداً عنوانه: الكارثة. وهو ما كتب عنه المصري أحمد خالد توفيق في روايته يوتوبيا، الكلمة التي اخترعها الإنجليزي توماس مور العام 1567. أعطى «مور» للكلمة دلالات ثلاث: فهي اللاّمكان، فلا أحد يعرف موقعها، وهي المدينة الفاضلة التي تحقق حاجات الإنسان ورغباته، وهي حلم إنساني لا يعلم أحد عن زمن تحققه شيئاً.

أعاد الروائي، الذي ينقد واقعاً راهناً لا يحتمل، تأويل المدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة: اختار لها مصر موقعاً، وقرّر تحققّها العام 2020، وقلب دلالاتها قلباً كاملاً، ذلك أنه ألصق اسم «يوتوبيا» بمدينة متوحشة تتنكّر لمبادئ الأخلاق. فقد أصبحت المدينة الموعودة ملْكاً لأصحاب الثروة والنفوذ، لا مكان فيها للفقراء والثقافة والفن، تسوّرها جدران عالية ويحرسها نفر من المرتزقة. وضع الروائي في مواجهة مدينة البطر السفيه، التي لاذ بها الأثرياء المتسلطون، مدينةَ الفقر الكاسح، التي تأوي إليها مخلوقات، تعيش حياة تشبه الحياة، وتمارس وجوداً سائباً، فلا سلطة ولا قانون، إلا من عيش عشوائي يحوّم فوقه الهلاك. والرابط الوحيد بين المدينتين، أو الشعبين المصريين، اللذين كانا شعباً واحداً، هو التقاتل أو «الصيد المتبادل».

تنطوي رواية يوتوبيا على شهادة عن «وعي مستنير مضطرب»، ينقد أفكار التقدم ويتمسك بها. ولذلك رسم الروائي مدينتين منحطّتين يعصف بهما التقاتل وفساد القيم وعاد، لاحقاً، يبشّر بثورة جديدة للفقراء، ناسياً أن الموت يخيم على المدينتين معاً. لم يستطع الروائي أن يوازن بين النقد والتحريض، فمزج بين المستقبل والكارثة، واستولد التحريض من مكان لا وجود له. ربما كانت «اليوتوبيا» الحقيقية، في تصوّر المؤلف، هي المكان اللامرئي الذي تنبثق منه الثورة على غير توقع.

أنجز الروائي في عمله أمرين: وسّع مساحة «الأحياء العشوائية» المصرية توسيعاً غير مسبوق، وأنتج خطاباً نقدياً عن الفكر التقدمي

المثقف العربي أمام واقع مهزوم
 
01-Aug-2009
 
العدد 2