العدد 2 - الملف
 

ثمّة سؤال مُثار حول مدى الحضور أو الغياب النسائي، وإلى أي مدى ينفتح الفضاء العام في الأردن أمام النساء، وإلى أي حد، يمكن عدّهن مشاركات في صنع القرار، وصياغة السياسات؟ تذكر الأرقام الرسمية أن الإناث يمثلن 48.5 في المئة من تعداد السكان، وما نسبته 52.6 من عدد الملتحقين بالجامعات الأردنية، لكنهن لسن حاضرات في الفضاء العام بما يكافئ أعدادهن، ولا مستوى تعليمهن، كما تقول ناشطات، ويوافق على أقوالهن أكاديميون وعلماء اجتماع.

النقابات المهنية ربما كانت النموذج الأوضح دلالة على هذا الاستنتاج، فهذا الوسط الذي يتسم بمستوى عال من النشاط، لا تحظى فيه المرأة بحضور ملحوظ، إذ يبلغ مجموع المنتسبين للنقابات المهنية نحو 160 ألف منتسب، تمثل النساء منهم زهاء 28 في المئة. ومع ذلك، فإن المجالس النقابية لا تضم في عضويتها سوى 6 نساء فقط من أصل 123 عضواً؛ 3 منهن في مجلس نقابة الممرضين، و3 أخريات يتوزعن على مجالس الصحفيين والفنانين والصيادلة. هنا لا بُدّ من الأخذ في الحسبان ما تقوله عضو مجلس نقابة الممرضين كفاية الداوود، من أن قانون النقابة يقضي بوجوب أن يكون هناك عضوان في المجلس عن قسم القبالة، وبالنظر إلى أن القبالة في الأردن مهنة مقتصرة على النساء، فهذا يعني أن هناك مقعدَين محسومان للنساء في كل دورة.

ناشطات خضن تجربة العمل النقابي يرين إن النساء لا يحظين بفرص متكافئة لخوض التجربة. المحامية سميرة زيتون، التي كانت مع إميلي بشارات الوحيدتين اللتين وصلتا في دورات سابقة إلى عضوية مجلس نقابة المحامين، تقول إن القيود المفروضة على المرأة تحد كثيراً من فرصتها في النجاح كنقابية. «العمل النقابي شاق»، تقول زيتون، «ويحتاج إلى وقت وجهد لا تستطيع توفيره امرأة تقع على عاتقها، إضافة إلى أعباء مهنتها، أعباء المنزل والأطفال إن كانت متزوجة، وفي ظل ثقافة ترى أن المنزل والأطفال مسؤولية المرأة في المقام الأول». زيتون التي تعترف أن ما ساعدها على خوض التجربة هو كونها غير متزوجة، وليس عليها القيام بالأعباء التقليدية للنساء، تشير إلى عوائق مجتمعية تقف أمام المرأة؛ «الطبيعة المحافظة للمجتمع لا تتيح للمرأة حرية حركة تتيحها للرجل، فالرجال يلتقون في المضافات ومجالس العزاء والأفراح ودعوات العشاء والغداء، ما يتيح لهم تكوين شبكة علاقات اجتماعية تشكل في ما بعد قاعدة انتخابية لهم، في حين تنحصر المرأة في دائرة ضيقة».

تستعيد زيتون في هذا السياق حادثة وقعت معها عندما توجهت إلى اجتماع انتخابي في إحدى المحافظات، وقد ضم الاجتماع نحو 400 رجل كانت هي المرأة الوحيدة بينهم. «في هذه المحافظة هناك 70 محامية لم تحضر منهن واحدة، كما أن أحداً من الحاضرين لم يحضر معه زوجة ولا أختاً ولا ابنة، كان هذا واحداً من أشد المواقف إحراجاً لي في حياتي».

ليس يبدو أن حضور المرأة في الحياة الثقافية أحسن حالاً، فهناك 70 كاتبة تقريباً، من أصل 650 كاتباً هم مجموع أعضاء الهيئة العامة لرابطة الكتاب الأردنيين، وصلت واحدة منهن فقط إلى الهيئة الإدارية الأخيرة.

فالوسط الثقافي، كما تقول الكاتبة سامية العطعوط، هو في النهاية انعكاس للمجتمع: «من الطبيعي أن يكون المشهد ذكورياً في طابعه العام». العطعوط التي تشير إلى أن حضور النساء في الفعاليات الثقافية أقل كثيراً من حضور الرجال، تعطي كمثال ملتقى السرد العربي الذي عقد العام الماضي، حيث شاركت 8 كاتبات من أصل 45 كاتباً شاركوا في الملتقى.

العطعوط تقول مع ذلك، إن المشهد «يسير نحو انفراج، ذلك أن التمثيل القليل للنساء سببه أنهن لم يخرجن إلى الحياة العامة إلا منذ عقود قليلة، في حين راكم الرجل تجربة كبيرة في المشاركة».

«الأمر مرتبط بالجغرافيا»، هذا ما تشير إليه المخرجة السينمائية سوسن دروزة، فـ«النهج المحافظ أقل حدة في عمان الغربية، حيث المجتمع أكثر انفتاحاً، والعائلات توفر نسبة أعلى من التمكين الذاتي للنساء فيها». دروزة التي بدأت عملها العام 1989، وتجولت في مناطق المملكة المختلفة، تقول إنها لم تواجه معوقات في تجوالها حتى في المناطق النائية، ولكنها، كما تقول، لا تُعَدّ نموذجاً. «ربما كان للأمر علاقة بالكاميرا، لأن لها كما يقولون سحراً».

عامل الجغرافيا الذي ذكرته دروزة حدد علاقة المرأة بالمقاهي، التي تمثّل مفردة أساسية في الفضاء العام في أي بلد، وفي بعض البلدان شكلت نواة للتغيير.

جميع من التقتهن «ے» أجمعن على أن ارتيادهن للمقاهي مرتبط بالمنطقة التي يقع فيها المقهى، فهن يذهبن فقط إلى مقاهٍ في عمان الغربية. أسيل 32 عاماً، تقول إنها تشعر أنها حرة فقط في هذه الأماكن: «رواد هذه الأماكن كل منهم منشغل بنفسه، فأجلس على راحتي، لا أشعر أنني مراقبة، كما هو الحال في أماكن أخرى في بعض مناطق عمان الشرقية أو ضواحي عمان».

تثني على كلامها عالية، 28 عاماً، التي تقول إن ارتياد النساء للمقاهي ما زال، في أوساط معينة، أمراً مستهجناً وخارجاً عن المألوف. وفي كثير من الأوساط هناك «شك في أخلاق» مرتادات هذه الأماكن، ما يجعل من الذهاب إلى مقهى في بعض الأماكن تجربة سيئة. «ذهبت أكثر من مرة إلى هذه الأماكن مع أصدقاء، وكنت ألاحظ أن الرواد الآخرين يواصلون التحديق فيّ، وفي إحدى المرات كنت مع صديقاتي وعندما طلبنا أرجيلة تحولت النظرات إلى تلميحات بذيئة».

إيميليا 53 عاماً، إيطالية متزوجة من أردني، وتقيم في عمان منذ 24 عاماً، تلاحظ باستغراب الطريقة التي انقسمت فيها المقاهي في الأردن؛ مقاهي المناطق المترفة المنفتحة اجتماعياً وتوفر للنساء جواً مريحاً، ومقاهي المناطق الشعبية الطاردة للنساء. إيميليا ترى أن هذا «ليس عدلاً»، في إيطاليا ارتياد المقاهي يشكّل جزءاً من حياتها اليومية، وهي حَرمت من ذلك لأنها، بخلاف الكثير من الأوروبيات المتزوجات من أردنيين، متزوجة من «أردني فقير». إيميليا ترى أن النساء في أحيان كثيرة «يتصرفن بضعف، وينسحبن بسهولة»، وتروي في هذا السياق قصة جرت معها حين كانت ذات مرة بصحبة ابنتيها في مجمع للباصات، وقررت أن تجلس في مقهى كل مرتادوه من سائقي الباصات والعمال، في الحال بدأت التعليقات البذيئة التي تمسها وابنتيها المراهقتين: «لم أسكت، قمت إلى هؤلاء الأشخاص، وتشاجرت معهم، وصاحب المقهى وقف إلى جانبي وطلب منهم المغادرة». وفي رأيها كانت هذه معركة كسبتها، لأنها عادت إلى هذا المكان أكثر من مرة، ولم يضايقها بعد ذلك أحد.

المضافات أو دواوين العائلات في الأردن جزء أساسي من الفضاء العام، لكنها في الغالب أماكن تغيب عنها النساء، رغم أنها تشهد، في أحيان كثيرة، اتخاذ قرارات مؤثرة، منها مثلاً اختيار المرشح الممثل للعائلة في المجلس النيابي أو البلدي.

أماني 27 عاماً، تعمل معلمة، وتقيم في واحدة من قرى الشمال، تقول إن الرجال قبيل الانتخابات يجتمعون في المضافة للاتفاق على المرشح، وتجري مناقشات طويلة قد تستمر أياماً طويلة، قبل أن يستقر المجتمعون على رأي، وتكون النساء غائبات تماماً عن المشهد. «لا يجتمعن مع الرجال في المضافة، لأنها محرمة عليهن، ولا يجتمعن وحدهن لنقاش الأمر، بل تصلهن الأخبار بعد انفضاض الاجتماع من أقاربهن الرجال، في النهاية يبلَغن باسم المرشح الذي استقر الاختيار عليه ليقمن بعدها بالتصويت له».

نصف المجتمع على الهامش أنصار التغيير شركاء أيضاً في تغييب المرأة
 
01-Aug-2009
 
العدد 2