العدد 2 - محلي
 

بات مألوفاً أن يصادف المرء إعلاناً عن محاضرة يلقيها رئيس وزارء أسبق من «العيار الثقيل»، بدعوة من منتدى شبابي في قرية بالشمال، أو يلقيها رئيس وزراء سابق لم تمضِ سوى سنوات قليلة على مغادرته الدوار الرابع، في نادٍ رياضي في إحدى قرى الجنوب.

كما أنه ليس مفاجئاً، ما تحظى به هذه المحاضرات من تغطيةٍ إعلامية «على مقاسها»، بحسب تعبير صحفي فضّل عدم نشر اسمه، نظراً لـ«تواضُع ما تشتمل عليه من أفكار، وعدم تقديمها جديداً». لذلك، تكتفي مواقع إلكترونية في العادة ببثّ خبر مقتضَب حول محاضرة من هذا النوع، أو تمنحها صحيفة يومية زاوية «مهمَلة»، وربما «تتكرم» مطبوعة أسبوعية، فتنشر مقتطفات من محاضرة «دولته»، كما يرى ذلك الصحفي.

تلك المحاضرات، تضاف إليها مقابلات صحفية مع رؤساء الوزراء السابقين، تشترك في عزوف الجمهور عنها، وفي «تنطّعها» لمواضيع كبرى، وتناولها لقضايا عامة وفضفاضة. واللافت أنها بدأت تتزايد في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ.

«فرسان» هذه المحاضرات، بعضهم ودّع كرسي الوزارة باستطلاعات رأي لم تكن لصالحه، وبعضهم الآخر اتسمت فترة حكومته بأزماتٍ متتالية لم يتبين حتى الآن أيٌّ منها تلك التي أطاحت بوزارته، في حين تميزت مرحلة بعضهم الثالث بأداء باهت، وأثرٍ لا يُعتَدّ به.

أصحاب الدولة السابقون، ممن دأبوا على إلقاء هذه المحاضرات، سواء بمبادرات فردية، أو استجابة لدعوات من فعاليات شعبية أو شبابية، كما اتفق على تسميتها، تصدّوا لمواضيع شائكة ومن الوزن الثقيل، مثل الهوية، وقضايا الإقليم، والأخطار المحدقة بالأردن والقضية الفلسطينية وغيرها في الإطار نفسه. هذه المواضيع، على أهميتها، تسحب البساط وبعنوة، من تحت أقدام قضايا أخرى ملحّة، وبعضها متركّز في الشأن الداخلي، ثمة إجماع أنها تماثلها أو تزيدها أهميةً.

في 17 أيار/مايو الفائت، ألقى رئيس الوزراء السابق معروف البخيت، محاضرة بعنوان «الأمن الوطني وانعكاساته على الأمن الاجتماعي»، في قاعة دير اللاتين في محافظة عجلون. وفي 20 من الشهر نفسه، ألقى رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة محاضرة في كلية معان الجامعية بعنوان «الشورى والديمقراطية». فيما ألقى رئيس الوزراء الأسبق فايز الطراونة محاضرة في 13 حزيران/يونيو 2007 بعنوان «الاعتزاز الوطني» في المعهد الدبلوماسي.

«لم يتخذ أيّ رجل دولة سابق من هؤلاء وسواهم موقفاً تجاه قضايا تمس حياة الناس اليومية أو التغيير الاجتماعي في البلاد»، يقول أكاديمي فضّل عدم نشر اسمه، لعلاقته الخاصة بعدد من رجالات الدولة السابقين.

الأكاديمي يصف هذا السلوك بأنه «فرصة للهروب من الخوض في التفاصيل المهمة، نحو فضاء سهل، تمثله القضايا السياسية العامة»، ويستدرك بالقول: «نعم، الأخطار المحدقة بالأردن من الضروري التنبّه والتنبيه إليها، لكن من الضروري أيضاً أن يتحدث رجال الدولة بخبراتهم، حول مشاريع قوانين حساسة تهمّ المواطن أكثر من غيرها، مثل: مستوى المعيشة، تطوير الجامعات، توفير فرص عمل، وسوى ذلك من قضايا خدمية مهمة»، مضيفاً: «غالبيتهم يهدف من هذه المحاضرات، إلى دغدغة مشاعر الناس، ومحاولة القول: نحن هنا».

يدلل الأكاديمي على ما ذهب إليه بالقول: «لم يتناول أيّ رئيس وزراء سابق في أيّة محاضرة أو لقاء له، قانون الضمان الاجتماعي، أو مشروع قانون الضريبة، أو قانون الجمعيات. وهي تستحق مناقشةً تفصيلية، وموقفاً إزاءها، يبخل هؤلاء في تقديمه، أو أنهم غير قادرين على ذلك».

المؤرخ والأكاديمي علي محافظة يرى أن السياسيين «لا يجرؤون على الخوض في القضايا الداخلية، وإبداء رأيهم فيها، لأن ذلك يُلزمهم ويُعَدّ حجّة عليهم». ويصف التوجُّهَ نحو القضايا العامة بأنه جزء من «برنامج تلهية المواطن» عن مشاكله الحقيقية الملحّة ووسائل معالجتها. ويعتقد محافظة أن السبب الأساسي لهذا التوجه، هو «الشعور العام بالفراغ السياسي والفكري في البلاد، وغياب دور الأحزاب والبرلمانيين الذين من المفترض أن يملأوا هذا الفراغ».

الباحث المتخصص في الشؤون الأردنية محمد البدارين، يتفق مع طرح محافظة، ويصف ما يحدث على هذا الصعيد بأنه «محاولة لتلميع الشخص والتذكير بأنه موجود»، لذلك «لا تختلف المحاضرة هنا عن مناسبة عزاء أو جاهة عرس في بعض الأحيان».

يضيف البدارين أن استسهال الخوض في القضايا الخارجية الكبرى، مرتبط بحرية الصحافة، ودورها في تشكيل فضاء عام في البلاد، وإتاحة المجال بأن تكون قضايا مختلفة مثار نقاش عام.

ويوضح أن ما يحدث حالياً «تكرارٌ لما كان يحدث في السابق، فقد كان صحفيون وسياسيون كُثُر يتهربون من الحديث عن قضايا حساسة ومهمة للناس، مثل التعليم والبطالة وغيرها، نحو قضايا عامة محسومة أقل تكلفة، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وموقع الأردن في الإقليم، وتحديات الوطن البديل، وهو ما يتكرر الآن بصور مختلفة، عبر ما هذه المحاضرات والطروحات لرؤساء وزراء سابقين وكثير من السياسيين».

يرى البدارين أن الحديث في كثير من هذه القضايا «عام ومتوقَّع وغير مكلف»، بينما «ثمن الخوض في القضايا الداخلية مرتفع»، فمن يتصدى للحديث عنها سيتعرض لأسئلة محرجة، وفي حالة رؤساء الوزراء، بحسب البدارين، فإن هؤلاء «سيتعرضون للمحاسبة والمساءلة حول أدائهم ودورهم في معالجة قضايا مختلفة في فترات ولايتهم، وبالنسبة لبعضهم، يشكل هذا الأمر ورطة كبيرة».

اللافت أن أكثر رؤساء الوزراء السابقين، تحرُّكاً في هذا المجال، ونشاطاً في حضور الملتقيات في عمّان والمحافظات، هم الذين نالوا نتائج متدنّية على صعيد مستوى الرضا الشعبي عن أدائهم، وفقاً لاستطلاعات رأي أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية. ومن أبرز هؤلاء: عبد الرؤوف الروابدة ومعروف البخيت.

فقد أظهرت نتائج استطلاع الرأي بعد مضي عام على تشكيل حكومة البخيت، أن الحكومة، من وجهة نظر العينة الوطنية، فشلت في معالجة قضايا الفقر والبطالة، وتحسين مستوى معيشة الفرد، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد، والعمل على إنجاز قانون أحزاب ديمقراطي. إذ كانت نسب النجاح 28 في المئة، 31 في المئة، 35 في المئة، 38 في المئة، 41 في المئة و46 في المئة، على التوالي.

إلا أنه يُسَجَّل للروابدة، أول رئيس حكومة في عهد الملك عبدالله الثاني، بأنه الوحيد من بين أقرانه، الذي ما زال يترشح للبرلمان دورة بعد أخرى، ويفوز، فقد انتُخب نائباً لخمس مرات بدءاً من المجلس الحادي عشر العام 1989حتى المجلس الحالي الخامس عشر الذي انتخب العام 2007.

كما أن حكومة الروابدة التي شكلها العام 1999 واستمرت حتى العام 2000 نالت ثقة عالية من مجلس النواب، 66 من أصل 80 نائباً.

لكن ثقة المواطنين في تحمُّل حكومة الروابدة مسؤولياتها، انخفضت في استطلاع أجري العام 1999 بعد مضي مئتي يوم على تشكيل الحكومة. إذ تراجعت النسبة لدى العينة الوطنية من 43.6 في المئة إلى 33.7 في المئة، ولدى قادة الرأي من 38.8 في المئة إلى 29.5 في المئة.

البخيت الذي كُلّف بتشكيل الحكومة العام 2005، خلفاً للأكاديمي عدنان بدران، استمر برئاسة الحكومة حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2007. وقد يعود عدم خوضه في القضايا المحلية في محاضراته، إلى اعتقاده بأنها قد تنشئ جدلاً وتثير تساؤلات حول دور الحكومة، أيّ حكومة، ومدى قدرتها على التصدي لهذه القضايا. وحاله في ذلك حال كثير من السياسيين في البلاد، يُجمعون على قدسية الولاية العامة للحكومة.

إلى ما سبق في حالة البخيت، هناك تأثير خلفيته العسكرية الحذرة المحافظة التي لم تؤثّر فيها تجربته الدبلوماسية الشيء الكثير، واستمر الإعلام بتلقيبه بـ«الجنرال»، رغم ترؤسه مرحلةَ الانفتاح الاقتصادي في الأردن التي قادها ما عُرفوا بـ«الليبراليين».

في مقابلة مع الرأي في 19 أيار/مايو 2009، تنصل البخيت من مسؤولية حكومته في ما شاب الانتخابات البلدية والنيابية اللتين أُجريتا في خريف العام 2007 من اختلالات، محمّلاً جهات أخرى مسؤولية ما حدث، وقال: «الانتخابات البلدية كان هناك مشاكل، كونها أول انتخابات تُجرى بعد دمج البلديات، وهناك موروث متعارَف عليه في هذا المجال بالتداور بين العشائر في تسلُّم البلديات، لذلك حصل توتر اجتماعي نتيجة عمليات الدمج التي ضمت عشائر متعددة». وتابع البخيت: «انتخابات مجلس النواب، هناك تيار جديد اسمه تيار الأثرياء الجدد، وهم حضّروا أنفسهم جيداً للانتخابات، ونحن لم نستعد لذلك جيداً».

أما فيصل الفايز، فإن طرحه العام الذي يتركز، في جوهره، على الهاشميين ودورهم، يعود إلى أن خلفيته السياسية تشكلت نتيجة خبرته الطويلة في التشريفات الملكية والديوان الملكي، إذ لم يعمل في أي موقع آخر غيره قبل أن يتوجَّهَ للدوار الرابع، ويُكَلَّف بتشكيل الحكومة للفترة ما بين تشرين الأول/أكتوبر 2003 ونيسان/إبريل 2005.

الفايز رفع شعار الإصلاح الإداري والسياسي، وأنشأ وزارة خاصة هي وزارة التنمية السياسية، إلا أنه لم تكن ثمة نتائج ملحوظة لحكومته، في الوقت الذي شهدت فيه فترة ولايته معركةً مع النقابات المهنية بسبب التوجه لإصدار قانون جديد للنقابات المهنية يمنعها من مزاولة النشاط السياسي.

حمزة، أربعيني يعمل موظفاً في شركة خاصة، يرى أن هذا الحراك «جيد»، لكنه يستغرب «ان تمنح الدولة منبراً للسياسيين بعد خروجهم من السلطة، فيُتاح لهم تلميع أنفسهم مجدداً، أو الاعتذار عن فترة عملهم في الحكومة، أو إلقاء اللوم على آخرين، في حين أنه كان لهم في السابق منبر للعمل لم يستغلّوه».

الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية محمد المصري، يرى أن أحاديث رؤساء الوزراء تأتي بعد «فترة صمت على الأغلب»، لأن الواحد من هؤلاء «يشعر في البداية أنه لم يكن قادراً على الإنجاز عندما كان يتحمل مسؤولياته رسمياً، لكنه يبدأ بالتحرر من هذا الصمت عندما يراقب إنجاز من يتسلم الموقع بعده، فيرى أنه لم يختلف عنه كثيراً».

يتابع المصري بالقول: «يطلق رؤساء الوزراء السابقون تصريحات رنانة، شبيهة بتصريحات زعماء المعارضة الذين لم يصلوا يوماً إلى الحكم، ويتناسون أنهم كانوا في مواقع متقدمة في الحكم»، الأمر الذي يثير، بحسب المصري، التساؤل حول سبب هذا الظهور لرؤساء الوزراء السابقين، وهل هو «تلميع للشخص نفسه، أم محاولة لتبييض صفحته وسجله الذي لم يزخر بالكثير؟».

يلفت المصري إلى ما يدعوه «واقعاً يسمح بهذه الظاهرة وتناميها»، يتمثل في «غياب مجتمع مدني وأحزاب فاعلة، وتيار سياسي يستند إليه السياسي الذي أصبح المجال أمامه مفتوحاً للحديث العشوائي، وفي اتجاهات مختلفة، دون خشية من مرجعية سياسية أو إعلام أو قوى شعبية تحاسبه على ما أنجز وعلى ما قال أو ما سيقول».

وتيرة هذه المحاضرات زادت في الأشهر الأخيرة، حيث نشرت صحيفة الدستور مثلاً، سلسلة لقاءات مع رؤساء الوزراء السابقين: عبد الرؤوف الروابدة، علي أبو الراغب، فيصل الفايز، طاهر المصري وعدنان بدران، لـ«الاستماع إلى آرائهم ومواقفهم حيال قضايا راهنة»، بحسب الكاتب في الدستور عبدالله القاق في مقالة له في 13 أيار/مايو حملت عنوان «لماذا أثارت إسرائيل قضية الوطن البديل الأردني للفلسطينيين حالياً؟».

يقول مصدر أمني شدّد على عدم نشر اسمه، إن «الأردن يسعى إلى تمتين جبهته الداخلية، بخاصة في الظروف المتوترة في الإقليم، التي تُبرز التحدي الأهم، وقدرته على تمتين جبهته الداخلية، لذا فإن على هؤلاء السياسيين، نتيجة اطلاعهم على حقائق وخفايا عديدة، أن يساهموا في التصدي لهذه التحديات».

المصدر نفسه، ردّ على سؤال لـ«ے» حول وجود تنسيق مسبق بين رؤساء الوزراء السابقين وجهات أمنية أو حكومية، بخصوص المشاركة في محاضرات كهذه، فقال إنه لا يستبعد ذلك، وأضاف: «أحياناً تتم بتنسيق، وأحياناً أخرى بمبادرات فردية»، مشيراً إلى أنها في الحالة الأخيرة «قد تكون مزعجة للسلطة أحياناً، بسبب كونها مغرقة بالتلميع الذاتي ومحاولة إثبات الوجود». يختم الضابط بالقول: «بعضهم يتناسى حقيقة غير معلَنة، لكنها راسخة في النهج الملَكي الحالي: في قيادة الحكومات المجرَّب لا يُجرَّب مرة أخرى، فمن يُمنح الفرصة لقيادة دفة الحكومة مرة، من المستبعد أن يُمنح فرصة أخرى لإعادة الكرة، فالأصل هو العمل والإنجاز عند نيله تلك الفرصة».

الكاتب الصحفي فهد الخيطان يتفق مع هذا الطرح، إلا أنه اختتم مقالة نشرها في العرب اليوم، 23 أيار/مايو الفائت، بعنوان «رؤساء الحكومات السابقون.. مغزى الحضور الإعلامي المكثف»، بقوله: «أعتقد أنهم على صواب، فمن حق كل سياسي يحمل برنامجاً أن يسعى للوصول أكثر من مرة إلى موقع صناعة القرار لتطبيق برنامجه». إلا أن الكاتب استدرك قائلاً: «مشكلة السادة أصحاب الدولة أنهم يفضّلون اللعب المنفرد، ويريدون السلطة بأقصر الطرق، فبدلاً من أن تصبّ برامجهم وأفكارهم وتجاربهم في تأسيس أطر سياسية منظمة، يكتفون بتحويلها إلى وسيلة خاصة للوصول إلى مواقع القرار. فنمضي في الدوامة نفسها، نُدوّر الأشخاص والكراسي من دون أيّ جديد».

محاضرات ومقابلات فرسانها رؤساء وزراء سابقون: منابر للوجاهة بعد فقدان مواقع الوظيفة
 
01-Aug-2009
 
العدد 2