العدد 3 - نبض البلد
 

كان التاسع من آب/أغسطس سيمر دون أن يستوقف الذاكرة، لو أن الأمر لا يتعلق بحادثة مزلزلة، ففيه الذكرى الأولى لسقوط الورقة الأخيرة في حياة الشاعر محمود درويش، حتى ليصح القول إن هذا التاريخ بات علامة فارقة في مسيرة الشعر العربي المعاصر.

هذا ما أكدته احتفاليات متنوعة في عمّان، إحياءً لذكرى درويش، والأعداد الغفيرة التي أمّت كل فعالية اقترنت باسم الشاعر الذي قال ذات شعر: «قل للغياب نقصتني وأنا حضرت لأكملك»، فبدت الذكرى أكبر من مجرد استرجاع لمسيرة حافلة، إنها تقول بملء فيها إن ما خلّفه درويش وراءه من إبداعٍ منحه لقب «شاعر القضية» سيظل عصياً على الغياب.

دائرة الثقافة والإعلام في حكومة عجمان بالإمارات العربية المتحدة، اختارت بالتعاون مع مديرية الثقافة في أمانة عمان الكبرى، تنظيم تظاهرة تجمع بين الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009، ودرويش الشاعر الذي ظل يحمل فلسطين حباً يقطر شعراً. فحملت التظاهرات عنوان «القدس ودرويش: المدينة والذكرى»، واشتملت على مفردات عدة تنوعت بين التشكيل والفوتوغراف والموسيقى والسينما.

نائب مدير المدينة للشؤون الثقافية والاجتماعية والشبابية في أمانة عمان هيثم جوينات، قال خلال الافتتاح الذي احتضنه مسرح مركز الحسين الثقافي (9 آب/أغسطس) إن درويش انتقل من «إنسان» إلى «فكرة»، مضيفاً أن هذه الفلسفة تؤطر الاحتفاء بذكراه والاحتفاء بالقدس معاً. أما مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بحكومة عجمان إبراهيم الظاهري، فتوقف عند الرؤية الفلسفية للاحتفالية التي تُظهر تنوعاً يعكس تنوع درويش وغنى ما قدّمه للشعر العربي.

دُشنت الاحتفالية بافتتاح معرض نُظم بالتعاون مع الجمعية الأردنية للتصوير، اشتمل على صور فوتوغرافية من مدينة القدس. تُظهر أبنية القدس وحاراتها، وواقع حياة ساكنيها في ظل الاحتلال الإسرائيلي. كما افتُتح معرض ضم 25 لوحة بورتريه لدرويش، بريشة الفنان الفلسطيني وليد أيوب.

ووسط جمهور اكتظ به المسرح الرئيسي في مركز الحسين الثقافي، حيث احتشد الناس وقوفاً في المساحة الخلفية من المسرح، وجلوساً في الممرات الضيقة بين الكراسي، عُرض فيلم «هوية الروح» الذي أُنجز باستثمار مفردات: الشعر، الموسيقى، الصورة والتشكيل.. كأنما كل ما يعبّر عن درويش ينبغي له أن يكون متعدداً، كما كان درويش.

الفيلم الذي أنتجته الشركة البريطانية Arts Alliance Production، قارب بين قصيدتين، الأولى للنرويجي هنرك أبسن كتبها العام 1861، بعنوان “تيريه فيجن”، تحكي قصة رجل دمرت الحرب أسرته ومستقبله، وفي لحظة تعالٍ إنسانية عفا عن قاتل أسرته. والثانية لدرويش كتبها بعد هزيمة حزيران 1967 بعنوان “جندي يحلم بالزنابق البيضاء”، تروي قصة جندي يراوده الحلم ببياض الزنبقة ورائحة قهوة أمه والعودة لحبيبته، وهو يمارس القتل كل يوم، فيقرر الرحيل بعيداً باتجاه الحلم، وقد انتصرت روحُه المتنازعة بين الثأر والعفو، للتسامح.

الفيلم بُدئ تصويره العام 2006، وأُنجز بالتعاون مع درويش الذي سجل القصيدتين بصوته. وبعد النجاح الذي حققه العرض في فلسطين وقطر، تمت ترجمة القصيدتين إلى سبع لغات عالمية، ليُعرض الفيلم في دول عربية وغربية مختلفة.

تواصلت الاحتفالية في العاشر من آب/أغسطس بأمسية شعرية شارك فيها: سميح القاسم (فلسطين)، عبد الله الهدية الشحي (الإمارات)، ومحمد مقدادي (الأردن). قُدمت فيها قصائد كُتبت بشكل خاص احتفاء بذكرى درويش وبمدينة القدس.

وضمن التظاهرة نفسها، أحيت فرقة “جذور” الفلسطينية أمسية غنائية مستوحاة من «الفلوكلور» الذي يجسد أحد وجوه الذاكرة الجمعية للفلسطينيين، وقدمت الفرقة أغنيات لمارسيل خليفة بصوت عطا الله ورهام حمادي.

في الوقت الذي حققت فيه هذه الاحتفالية نجاحاً كبيراً، وشهدت إقبالاً جماهيرياً لافتاً، جاء استذكار درويش في هيئات أخرى باهتاً، وأقلّ بكثير مما يستحقه شاعر بوزن درويش وتجربته. إذ نظمت رابطة الكتاب الأردنيين أمسية شعرية أدارها أحمد أبو حليوة وقرأ فيها بعضاً من قصائد الشاعر، كما قرأ أحمد أبو سليم وصلاح أبو لاوي قصائد خاصة بالمناسبة. هذه الفعالية بدت متواضعة قياساً بالفعالية النوعية التي نظمتها الرابطة نفسها بالتعاون مع جهات أخرى بمناسبة مرور 40 يوماً على رحيل درويش صيف العام 2008. وتكاد تنطبق الحال نفسها على الندوة التي نظمها اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين (19 آب/أغسطس) بعنوان “محمود درويش شاعراً وقضية”، بمشاركة عدد من الأدباء والباحثين، من بينهم: محمد ذيب المطافي، تهاني شاكر، حامد قنيبي، محمد سمحان، عمر الساريسي ويوسف الطريفي.

من جهته، آثر التشكيلي محمد العامري استذكار درويش على طريقته، إذ أقام معرضاً تشكيلياً في غاليري كريم، اشتمل على لوحات مستوحاة من مجموعة درويش أثر الفراشة، فقدم نصاً بصرياً “تتناثر في فضاءاته بقعُ اللون الرشيقة كأنها تهمس بأن فراشة بريّة قد حطّت هنا وقبل قليل، تاركة أثراً رقيقاً غير أنه لا يمحى”، بحسب تعبيره. يقول حول تجربته هذه: “كنت بين مسافتين؛ مسافة التأويل والتقاط الممكن، ومسافة الحزن بين انثيالات القصيدة ومهنية اللوحة، كمن يريد أن يجمع بين القنديل والماء”.

وكانت الأمسية التي أحيتها أوركسترا فلسطين للشباب بعنوان «في ذكرى رجل عظيم»، من أبرز الفعاليات التي أقيمت في إطار المناسبة. فما إن انتهت الأوركسترا من عزف مقطوعاتها على مدرج مركز الحسين الثقافي، 14-18 آب/أغسطس، حتى ساد التصفيق أرجاء المدرج الذي اكتظ بالجمهور، وكأن المئات في الصالة ظلوا حبيسي أنفاس الموسيقى والكلمة الملتزمة ليطلقوا موسيقاهم الخاصة محيّين الرسالة التي حملتها الأوركسترا: نقل شجون الإنسان الفلسطيني بلغة يفهمها العالم أجمع.

استهلت الأوركسترا التي قادتها المايسترو البريطانية شون أدواردز، حفلها بسمفونية «رومانس» لبيتهوفن التي تم أداؤها وفق أسلوب جديد، إذ قدم عازف الكمان الشهير باسل ثيودوري، في مفاصل من المقطوعة، عزفاً منفرداً، نال إعجاب الجمهور. وتابعت الأوركسترا حفلها الذي أقيم بالتعاون مع مسرح البلد ومعهد إدوارد سعيد للموسيقى، بالسيمفونية الثالثة «إيرويكا» (البطولة)، التي ألّفها بيتهوفن العام 1802 تقديراً لنابليون بونابرت، ثم غيّر اسمها بعد أن تغير رأيه بنابليون الذي نصب نفسه إمبراطوراً. وتجلّى أداء الأوركسترا لهذه السيمفونية بحركاتها الأربع التي يتنوع إيقاعها هبوطاً وصعوداً مستثيرةً المشاعر، وبدا أن هدف اختيار هذه السيمفونية، هو إبراز بطولة الفلسطينيين في الصمود على أرضهم.

وبعدما نثرت أزهاير موسيقاها، قدمت الأوركسترا مقاطع غنائية من رائعة درويش «أحمد العربي»، ثم انضمت للأوركسترا جوقة تألفت من عشرين مغنّياً قدِموا من جامعة نوتردام في لبنان تحت إشراف الأب خليل رحمة، وأحد عشر مغنياً من معهد إدوارد سعيد للموسيقى. وشدا الكورال لـ«يدين من حجر وزعتر»، وارتفعت الحناجر تصدح: «صامدون»، وتمازجت الأصوات في تداخل مذهل بين الصوت البشري والآلات الموسيقية.

وحين اعتلت المغنّية الفلسطينية ريم تلحمي خشبةَ المسرح، علا التصفيق لحضورها البهي وهي تروي عبر أغنيتها «غزة» من كلمات وسيم الكردي وألحان سهيل خوري، قصة الطفل الذي تفتّح وعيه على بحر غزة وحربها. صوت تلحمي الذي تناثر صداه في أرجاء المسرح أثّر في الحاضرين وأسال الدمع في المآقي وذكّر بجرح غزة النديّ. واصلت تلحمي حكاياتها بـ«عاشقة»، الأغنية التي تصوّر وقوف الصبية العاشقة على التلة تنطر معشوقها الذي غيبه السجن. ثم غنّت من جدارية درويش وبمشاركة الجوقة «خضراء أرضي» لتختتم الأمسية بـ«يا قدس وين نروح» التي تفاعل معها الجمهور ووقف مصفقاً ومحيّياً لها حتى أسدلت الستارة.

درويش ينتقل من «إنسان» إلى «فكرة»
 
01-Sep-2009
 
العدد 3