العدد 12 - الملف
 

وفرت وحدة الضفتين العام 1950 للأردن، اندماج خبرات فلسطينية في بنية الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية وسائر منظمات المجتمع المدني لدولة الضفتين ولعبَ دور قيادي فيها.

النشطاء الفلسطينيون من الرعيل الأول وهم ذوو انتماءات فكرية وأيديولوجية متعددة، كانت لديهم في البداية مواقف معارضة لوحدة الضفتين أو مترددة إزاءها، لكنهم تكيفوا سريعاً مع الواقع الجديد، ولم تقف همومهم وهويتهم الفلسطينية، عائقاً أمام انخراطهم في مهام وطنية من طبيعة جديدة بهوية أردنية.

فؤاد نصار أحد أبرز هذه الشخصيات التي كانت تنتمي إلى معسكر الشيوعيين، إذ كان من أهم قادة عصبة التحرر الوطني التي انشقت العام 1943 عن الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تشكل العام 1919 بعد انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية بمبادرة من يهود مهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق.

عصبة التحرر التي كانت تمثل الشيوعيين العرب الفلسطينيين، أيدت قرار تقسيم فلسطين الصادر العام 1947 لحل المسألة اليهودية، والذي وقف الاتحاد السوفييتي إلى جانبه. بهذا كان خيارهم الأول قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة لليهود، ما يفسر معارضتهم للوحدة وتحريضهم على مقاطعة أول انتخابات نيابية أجريت في الضفتين.

لكنّ تطوراً مهماً وقع على موقفهم منذ ما بعد مصادقة البرلمان الأردني على الوحدة العام 1951، فقد أعلنوا قيام حزب شيوعي بنتيجة اندماج عصبة التحرر مع الخلايا الماركسية في شرق الأردن، وأسموه «الحزب الشيوعي الأردني»، وانتُخب فؤاد نصار ابن الناصرة أول أمين عام له. وكان من قيادات الحزب المعروفة في الضفة الغربية: فائق وراد، رشدي شاهين، فهمي السلفيتي، وعبد العزيز العطي من غزة وآخرون. واحتفظ نصار بمنصب الأمين العام حتى وفاته العام 1976، فخلفه فائق وراد ابن قرية بيتين قضاء رام الله، والنائب السابق في البرلمان الأردني، وسلّم ورّاد راية الأمانة العامة للحزب إلى رفيق دربه وزميله السابق في البرلمان الأردني، يعقوب زيادين.

ناضل الشيوعيون على كل الصعد من أجل الديمقراطية والتحرر والتقدم، وكان لهم حضورهم في العمل النقابي العمالي. ومن أبرز قياداتهم العمالية اليافاوي موسى قويدر الذي واكب انطلاقة العمل النقابي العمالي في فلسطين قبل النكبة، وفي أردن الضفتين بعد ذلك.

في جانب التيارات القومية، برز جورج حبش من اللد كمؤسس لحركة القوميين العرب في الأردن بعد تخرجه طبيباً في الجامعة الأميركية في بيروت العام 1951، إذ بدأ حياته العملية بفتح عيادة له في عمّان مع طبيب آخر هو وديع حداد الذي اشتهر لاحقاً بمسؤوليته في الجبهة الشعبية عن التخطيط لعمليات خطف الطائرات. وفي انتخابات العام 1956 النيابية، ترشح «الحكيم»، لكن لم يحالفه النجاح. وأدت هزيمة حزيران 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية إلى تحول القوميين العرب للعمل الفدائي بتشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من ناحية، وإلى تبنيهم للفكر الماركسي من ناحية أخرى.

أما على صعيد البعثيين، فقد كان أبرز رموزهم عبد الله الريماوي من بيت ريما قضاء رام الله، الذي أيد حزبه قرارات مؤتمر أريحا العام 1948، انطلاقاً من التقدير بأن وحدة الضفتين هي رد قومي على نكبة 1948. وفاز الريماوي في انتخابات مجلس النواب الثاني الذي صادق على وحدة الضفتين في 24 نيسان/إبريل 1950. وقد ترشح الريماوي لهذه الانتخابات التي أجريت في الضفتين من سجنه في رام الله، وخرج من السجن إلى البرلمان.

انتخابات العام 1956 النيابية، شكلت محطة مهمة في تكريس قناعات النخب الحزبية الفلسطينية بجدوى النضال الديمقراطي في دولة الوحدة، القائم على أسس برنامجية، بخاصة أن العام 1956 شهد تعريب قيادة الجيش العربي، وطرد كلوب باشا والضباط الإنجليز الآخرين.

في تلك الانتخابات احتلت الأحزاب أغلبية مقاعد المجلس النيابي، إذ فاز الحزب الوطني الاشتراكي ذو الاتجاه القومي والمؤيد للناصرية بثلاث عشرة مقعداً من أصل أربعين مقعداً موزعة مناصفة ما بين دوائر الضفتين. وكُّلف زعيمه سليمان النابلسي بتشكيل أول حكومة نيابية وديمقراطية في تاريخ المملكة.

وفاز حزب البعث العربي الاشتراكي بثلاثة مقاعد، وشارك أمين سره عبد الله الريماوي في حكومة النابلسي. وفاز الشيوعيون بنائبين. أما الإخوان المسلمون فقد فازوا بأربعة مقاعد، وفاز حزب التحرير الإسلامي بمقعدين.

«الانقلاب» على حكومة النابلسي، بإقالتها وإلغاء الأحزاب السياسية واعتقال القيادات الحزبية والنقابية، جرّد الأردن من أهم مزايا تلك التجربة، القائمة على الانفتاح الديمقراطي والوحدة الوطنية.

هذه الخسارة الفادحة، أضعفت الحكم واضطرته أن يدفع أعلى ثمن للحفاظ على الاستقرار الداخلي بدخول حرب العام 1967 دون أن يكون مستعداً لها، ما سهّل فقدان الضفة الغربية، ذلك أن المزاج الشعبي كان كاسحاً في تأييده للرئيس المصري جمال عبد الناصر، من منطلق رهانه على أن مصر ستهزم إسرائيل إذا ما اندلعت الحرب.

القوى الوطنية في أردن الضفتين كان يمكن أن تجد لنفسها برنامجاً توافقياً مع الحكم للعمل على استعادة الضفة المحتلة، غير أن حركة فتح القادمة قيادتها الأولى من خارج الضفة الغربية، فرضت منطلقاتها على الساحة الأردنية، فأصبح العمل المسلح هوية تصادمية مع نظام الحكم في الأردن، والتحقت به الأطياف القومية من قوميين عرب وبعثيين، وحتى الحزب الشيوعي الأردني الذي كان له رؤية نضالية مختلفة، انزلق إلى تأسيس «قوات الأنصار».

المواجهة التي اندلعت بين قوات المقاومة الفلسطينية والجيش العربي في أيلول/سبتمبر 1970، أسفرت عن خروج المقاومة من الأردن، غير أن المواجهة كرست شرخاً اجتماعياً عميقاً، لا سيما أن الأردن اختار بعدها سياسة «الأردنة» لتحصين الذات ضد استهدافات منظمة التحرير الفلسطيية.

الأردن أدرك ما لحق بصيغة الوحدة من تهشيم، فبادر إلى طرح مشروع «المملكة العربية المتحدة» العام 1972 كإطار وحدوي مع منظمة التحرير، يقوم على تشكيل إقليمين بهويتين وبرلمانين، لكن المنظمة رفضت المشروع.

بهذا تطورت الأمور باتجاه تكريس الانفصال. فالحزب الشيوعي الأردني اضطر بعد سنوات إلى الاعتراف بحزب شيوعي فلسطيني بعد فترة انتقالية من صيغة «التنظيم الفلسطيني في الحزب الشيوعي الأردني»، ونشأت حركة حماس المكافئ لحركة الإخوان المسلمين في الأردن، وتلاشت الامتدادات الحزبية القومية من الساحة الفلسطينية.

وأفضى الاعتراف العربي بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني منذ العام 1974، ثم اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1987 إلى إعلان الأردن قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية العام 1988، هذا الجرح الذي ما زال نازفاً.

الرعيل الأول من نشطاء فلسطينيي الضفتين: كفاح من أجل فلسطين والأردن بهوية أردنية
 
01-Jun-2010
 
العدد 12