العدد 11 - إبداع
 

فنان متعدد المواهب؛ تشكيلي ونحات ورسّام ومصمم. نال في مقتبل شبابه دبلوماً في الفنون الجميلة العام 1975، وهو من خريجي الدفعة الأولى في معهد الفنون الجميلة بعمّان، التابع لوزارة الثقافة. أنهى الدراسة الثانوية في مدرسة ابن سينا بجبل اللويبدة، وكان قد انتقل إليها من مدرسة ماركا الإعدادية. ولد في ليماسول بقبرص، لكن عائلته غادرت إلى أريحا التي درس فيها المرحلة الابتدائية. شارك في مسيرته الفنية في حوالي 190 معرضاً داخل الأردن وخارجه، من بينها عدد من المعارض قامت بتنظيمها وزارة الثقافة والمتحف الوطني للفنون الجميلة. له ثمانية معارض شخصية، وخمسة معارض ثنائية.

حاوره: حسين أبو رمّان

السّجل: كمثقف استخدمَ الفن في خدمة البيئة، إلى متى يعود اهتمامك بالبيئة؟

- لدي اهتمام فطري بالطبيعة والبيئة، وربما يعود ذلك إلى جزء من مرحلة الطفولة التي عشتها في أريحا، وبخاصة أنه كان لدى العائلة آنذاك مزرعة كبيرة لتربية الابقار. لكن الاهتمام المنظم بالبيئة، يعود إلى انضمامي إلى جمعية البيئة الأردنية العام 1996 في عهد رئاسة أحمد عبيدات رئيس الوزراء الأسبق لها. وكانت لفتة ذكية من الجمعية أن فكّرت بتشكيل لجنة للفن والبيئة، عمل فيها الفنانون من أعضاء الجمعية، وكان من أنشطتها تنفيذ ملصقات وإقامة معارض للتوعية البيئية.

ے: بعد هذه التجربة، في أي اتجاهات طوّرت اهتماماتك البيئية؟

- أولاً، زاد انشغالي بموضوع البيئة، بطريقة منهجية، فاتجهت إلى دمج العنصر البيئي في أعمالي في اتجاهين؛ اتجاه أنشطة تعبيرية مباشرة باستخدام الرسوم والألوان بشكل رئيسي للتوعية البيئية، مثلاً بضرورة ترشيد استخدام المياه والمحافظة عليها من التلوث. فحينما أرسم حنفية ماء مربوطة بحبل مشنقة، فإن الفكرة تصل بسرعة. أما الاتجاه الآخر فهو، الأعمال التجريدية، أي غير المباشرة والتي تستخدم الرموز بكثافة. هنا بدأت استخدم وأطور فكرة إعادة التدوير لمواد معدنيه وصلبة مستهلكة وملوثة للبيئة في العمل الفني.

ے: أين تكمن أهمية إعادة التدوير بالنسبة إليك؟

- وعيي وإدراكي لخطورة التلوث على كوكبنا، يدفعني بقوة لتسخير إمكاناتي الفنية للتعبير عن أحاسيسي وغيرتي على البيئة. المجتمع الاستهلاكي الذي نعيش فيه ينتج كماً هائلاً من النفايات، وبالتالي فإن إعادة التدوير للنفايات، هي قبل كل شيء رسالة مجتمعية للحد من التلوث، فعلاوة على أهميتها البيئية والاقتصادية الكلية، فهي تعمق إحساس الناس بمشكلة التلوث وتنشط الميل لديهم لمكافحته.

ے: ماذا أعطى دمج البيئة في عمق احترافك الفني؟

- لقد أعطاني هوية جديدة. فأنا أقوم بالتعامل مع نفايات، أي مواد مستهلكة ملقاة من بينها أدوات وعلب معدنية وألمنيوم وتنك وبلاستيك، وإعادة صياغتها بأسلوب تجريدي فيه جرعة عالية من الحداثة. فهناك ابتكار لألوان معدنية طبيعية بجميع درجاتها وأطيافها. ويتم التحكم بتلك الدرجات اللونية باستخدام عناصر مضافة تساعد على أكسدة المادة، إلى جانب عمليات الحرق والطرق والحت وإعادة الأكسدة واللصق، وإضافة خامات لونية جاهزة لتُكسب الشكل صورته النهائية مشتملة على إيقاع بصري جميل.

ے: ما أهم تجليات نشاطك في الذهاب بالفن نحو الأطفال.

- اهتمامي كفنان بالطفل مرّ بمرحلتين؛ الأولى وكنت متأثراً فيها بكوني أباً. فرعايتي لأطفالي حرّك عندي إحساساً بالطفولة واحتياجاتها. هذا دفعني إلى خوض تجربة إصدار مجلة للأطفال في أواخر الثمانينيات. فأنتجت مجلة الفنان الصغير إبراهيم، ثم مجلة ياسمين، وانتهيت بمجلة علِّمني. لقد أوليت اهتماماً كبيراً لإنتاج قصص تعليمية مصوّرة للأطفال تستفز عقولهم على التفكير. ولمّا لم أتمكن من تجاوز مصاعب إنتاج مجلات الأطفال وتأمين تكاليفها توقفت.

ے: وماذا عن المرحلة الأخرى؟

- هي التوجه للأطفال لتعليمهم الاهتمام بالبيئة والحفاظ عليها. وأنفّذ هذا المشروع مع أمانة عمّان الكبرى، من خلال ورش عمل فنية للأطفال في الفئة العمرية 10-17 سنة. تشارك المجموعة الواحدة من الأطفال في ورشتي عمل، كل ورشة من ثلاث ساعات. وتعقد الورش أيام السبت في مكتبات الحدائق الموزعة داخل حدود أمانة عمّان. موضوع الورش هو تعليم الأطفال حرفة إعادة تدوير المستهلكات الملقاة من علب وكرتون وبلاستيك وغيره، إما في اتجاه جمالي يتمثل في صنع وردة أو سمكة مثلاً، أو في اتجاه عملي يستهدف صنع مزهرية أو مقلمة أو حقيبة أو ما شابه ذلك.

ے: كيف يمكن أن تخلق علاقة إيجابية دائمة بين الطفل والبيئة؟

- هذا ما نطمح إليه، لكن يجب أن نعترف أنه في الحقيقة تحدٍ صعب. لقد طوّرت صنع نموذج دافع للطفل لإقامة علاقة تفاعلية مع المحيط البيئي، مثال ذلك عش العصفور أو غيره من الطيور، الذي نجهزه من علب اللبن. وأتحدث هنا عن عش مرادف للحرية وليس عن قفص مرادف للحبس. فإذا هيّأنا العش في مكان مناسب، فبقليل من التأني وطول البال، يستطيع الطفل أن «يصادق» العصفور و«يستدرجه» إلى الدخول إلى العش، من خلال وضع طعام له وماء في مكان ظاهر على مسافة من العش، وبعد أن يتعود العصفور على أخذ طعامه من هذا المكان، يتم تقريب الطعام على مراحل حتى يلاصق العش.

ے: ما أنسب الوسائل لإدامة هذه الأنشطة التعليمية للأطفال؟

- على صعيد أمانة عمان، طُلب إلي إعداد منهاج تعليمي يأخذ طابع حرفي للأطفال في إعادة التدوير، وأنا أعمل على هذا المشروع الذي يحتاج إلى شرح مرفق بالصور عن مراحل صنع منتجات جديدة من المستهلكات، حتى يصبح ممكناً توسيع نطاق جمهور الأطفال المستهدف من خلال مدربين ليسوا بالضرورة فنانين. ومن المتوقع الانتهاء من هذا المنهاج قبل نهاية العام. وفي هذا السياق، أعطيت محاضرات لمدراء ومديرات الحدائق حول تعليم الأطفال إعادة التدوير. من جهة أخرى، طلب مني المتحف الوطني للفنون الجميلة تنظيم ورش عمل في المتحف للأطفال من فئات عمرية عدة تمتد من 8 سنوا إلى 17 سنة. كذلك بدأت تجربة جديدة في تقديم محاضرات لطلبة مدارس حول إعادة التدوير للمستهلكات كانت الأولى في مدرسة سحاب الثانوية.

ے: هل هناك أشياء محددة تراعيها في تدريب الأطفال على إعادة التدوير؟

- هناك مسألتان. الأولى هي الشرح للأطفال عن كيفية الاستخدام الآمن للمواد المستهلكة الملقاة، من الناحية الصحية، وبخاصة غسلها جيداً بالماء والصابون، إضافة إلى أسس الاستخدام الحذر للمقص والمشرط والمواد اللاصقة وأدوات القطع. أما الثانية فهي أنني لا أكتفي بتعليم الأطفال إعادة تدوير، بل أحرص على إعداد منتج حرفي جديد يتسم بالديمومة لأطول فترة ممكنة، لأنه بخلاف ذلك، نكون قد أدخلنا دورة إنتاج نفايات جديدة بسرعة.

ے: كيف تقيّم دور المدرسة في تربية الأطفال فنياً؟

- باختصار نحن بحاجة إلى منهاج تربوي فنّي يخدم عملية صقل الأحاسيس الفنية لدى الطفل، وهذه الأحاسيس تتفتح لديه في المدرسة. المدارس الخاصة تبذل جهداً في هذه الاتجاه، بينما المدارس الحكومية مظلومة. وفي كل الأحوال، فالمشكلة تبقى قائمة إن لم تنل مادة التربية الفنية حصصاً مساوية للمواد الأخرى مثل الرياضيات أو اللغة العربية. ثم ما الذي يمنع من تطوير التربية الفنية من رسم أو موسيقى في خدمة تعليم المواد الأخرى؟

ے: مَنْ أبرز الأشخاص الذين أثّروا في حياتك؟

- أولهم الفنان التشكيلي مهنّا الدرّة مؤسس معهد الفنون الجميلة بعمّان، وأول مدير له. عندما اطلع على رسومات لي قُبيل قبولي في المعهد، قال لي أنت ملوِّن جيد، لكن ضع هذا جانباً، وستجد بانتظارك منهاجاً أكاديمياً. الدرّة كان يدفع من جيبه الخاص لتوفير ما ينقصنا من مواد لا يستطيع المعهد أو نحن توفيرها. الشخص الثاني، هو مهندس الديكور محمد أبو تايه الذي عملت معه لمدة سنة بعد تخرجي، وتعلمت منه مبادئ التصميم وأساسياته. أما الثالث فهو نقولا دانتامارو، مهندس معماري وتصميم داخلي إيطالي، عملت معه ثلاث سنوات في الكويت قبل أن أضطر للمغادرة لأسباب صحية. تعلمت منه معنى التصميم الداخلي بوصفه مفهوماً هندسياً، وتعلمت الحداثة مع استخدام التقنيات الجديدة في تنفيذ الأعمال.

جلال عريقات - توظيف ريادي للفن في خدمة البيئة
 
01-May-2010
 
العدد 11