العدد 11 - الملف
 

بعد أقل من أسبوع على التعميم الذي وجهه وزير المالية محمد أبو حمور، إلى مؤسسات الدولة، وطالب فيه بـ«تقييم ما تم اتخاذه من إجراءات لضبط النفقات وترشيدها خلال الربع الأول من العام 2010»، كشف رئيس ديوان المحاسبة مصطفى البراري، أن الديوان سجّل منذ بداية العام الجاري 1770 مخالفة تتعلق بتجاوزات في استخدام السيارات الحكومية.

أبو حمور الذي كان دعا في تعميمه موظفي الوزارات إلى ترشيد استخدام الكهرباء والماء والهواتف، أشار إلى السيارات الحكومية، التي يبلغ عددها نحو 22 ألف سيارة، وطالب بـ«إجراء الصيانة الدورية لها، والحد من استخدامها قدر الإمكان، والتأكد من استهلاك السيارات للوقود ضمن المستوى الطبيعي».

المخالفات المسجلة التي رصدتها الوحدة الخاصة بمراقبة السيارات الحكومية في ديوان المحاسبة، قال البراري في تصريح لـے إنها تركزت في استخدام السيارة لأغراض شخصية، وخارج أوقات الدوام الرسمي، والسير دون أمر حركة، أو كتابة أمر حركة مفتوح، وتحميل أشخاص ليس لهم صفة رسمية، ومبيت السيارات في أحياء سكنية.

البراري أشار إلى إجراء رقابي جديد على السيارات الحكومية، اتّخذه الديوان ابتداء من النصف الثاني من العام 2008، فبعد أن كانت مراقبة الديوان للسيارات الحكومية في السابق تتم على شكل «حملات عشوائية»، بدأ الديوان وبتنسيق مع مديرية الأمن العام بحملات أسبوعية مكثفة، وهي حملات تجري كما يقول «في مختلف أنحاء المملكة، وتركز على مداخل المدن، والطرق الرئيسية، والمتنزهات السياحية، ومراكز التسوق الكبرى».

نظرياً، فإن الإجراءات المتبعة في ضبط المخالفات، كفيلة إلى مقدار كبير، في الحد منها، فالديوان بحسب رئيسه، يرسل تقارير أسبوعية إلى رئاسة الوزراء تتضمن المخالفات المضبوطة، نوعها والمؤسسات التي تنتمي إليها، تخاطب الرئاسة بعدها المؤسسات المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، لتقوم هذه المؤسسات بعد ذلك بإرسال كتب توضّح فيها الإجراءات التي قامت بها في هذا السياق.

الرئاسة كما يوضح البراري، تقوم بإرسال نسخ من هذه الكتب إلى الديوان، ليتسنى لمندوبيه في هذه المؤسسات، التأكد من أن الإجراءات قد اتُّخذت على أرض الواقع، وفي حالة عدم اتخاذ أي إجراءات، فإن الديوان يخاطب مجدداً رئاسة الوزراء التي تعود لمخاطبة هذه المؤسسات مرة أخرى.

لكن الأرقام التي أطلقها البراري في ورشة العمل التي أقامها الديوان يوم 4 نيسان/إبريل 2010، تحت عنوان «استخدام السيارات الحكومية حسب بلاغات الرئاسة»، أثارت علامة استفهام كبيرة حول فعالية الإجراءات المتبعة في الحد من التجاوزات، وإن أثبتت فعالية الحملات في رصدها. ففي النصف الثاني من العام 2008، سُجلت 3598 مخالفة، بمعدل 600 مخالفة شهرياً، وفي العام 2009 سُجلت 9214 مخالفة، بمعدل 768 شهرياً. أما العام 2010، فقد سجل انخفاضاً محدوداً في المعدل، إذ سُجلت 1770 مخالفة خلال الربع الأول من العام الجاري، بمعدل 590 مخالفة شهرياً.

مع ذلك، خفضت الحكومة بشدّة، بند نفقات السيارات الحكومية في ميزانية العام 2010، فرصدت لها 22.5 مليون دينار، مقابل 86 مليون دينار للعام 2009، و50 مليون دينار للعام 2008، وذلك بحسب ما صرّح به رئيس ديوان المحاسبة في ورشة العمل سابقة الذكر.

الأرقام السابقة تثير التساؤل حول الآلية التي يتم بها احتساب بند نفقات «السيارات الحكومية» في الميزانية، كما يرى الباحث في مكتب الموازنة بمجلس النواب سلمان النقرش، إذ «لم يشهد العام 2009، وضعاً استثنائياً يبرر رفع ميزانية هذا البند بنسبة 72 في المئة تقريباً». في السياق نفسه يتساءل النقرش عن خفض ميزانية «السيارات الحكومية» للعام 2010، لتصل إلى ما يقارب ربع ميزانية العام 2009. «إذا أمكن خفض النفقات إلى هذا القدر مع ضمان عدم تعطل آلية الحكومة، ألا يعني ذلك ضمناً أن الأرقام في السنوات السابقة كانت تتضمن هدراً».

مدير الموازنة السابق إبراهيم الدويري، طالب بإعادة النظر في الأرقام التي أعلنها البراري، وقال إن أرقام الموازنة المتعلقة بامتلاك السيارات وصيانتها تشمل جميع الآليات التي تستخدمها الحكومة، بما فيها سيارات الدفاع المدني والآليات الثقيلة، وليس هناك بحسبه «تحديد خاص لنفقات السيارات الإدارية المقصودة بالمخالفات».

لكنّ محللاً اقتصادياً فضّل عدم نشر اسمه، أكّد أن الأرقام صحيحة، وأنها حصيلة بيانات يجمعها مندوبو ديوان المحاسبة في مؤسسات الدولة من الميدان مباشرة.

في كل الأحوال فإن ما سبق يثير التساؤل حول جدية الحكومة في ضبط نفقاتها، كسبيل تحوّلت إليه لتخفيض العجز في الميزانية، بعد أن كانت طرحت بقوة إثر تشكيلها، خيار فرض ضرائب على المواطنين، وهو خيار قد تعود إليه أن بقيت خططها لخفض النفقات حبراً على ورق.

الأمر بحسب البراري مثير للقلق، ليس فقط لأن سوء استخدام السيارات الحكومية يتسبب في هدر جزء من موارد الدولة، ولكن لأن هنالك، أيضاً، الأثر النفسي بالغ السوء الذي تتسبب به رؤية المواطن العادي لسائقي سيارات حكومية وهم «يطاردون» بها من مكان إلى آخر.

السيارات الحكومية: علامة استفهام حول مصداقية ضبط النفقات
 
01-May-2010
 
العدد 11