العدد 10 - الملف
 

لم يكن أمام المِثْليِّين جنسياً في الأردن خيار سوى عيش حياة مزدوجة: واحدة سرية يعبرون فيها عن هويتهم الجنسية «المثلية» في الحمامات العامة والحانات ودور السينما المنتشرة في وسط البلد، وأخرى «غيرية»، يظهرون فيها بقناع له ملامح «الغالبية» المقبولة في المجتمع.

حقوق متساوية

لا يوجد معطيات دولية دقيقة حول نسبة «المِثْليِّين جنسياً» في العالم، إلا أن التقديرات تشير إلى أنها تراوح بين 6 إلى 8 في المئة من سكان العالم.

وقد عرّف 4 في المئة من الناخبين الأميركيين أنفسهم كـ«مثليين» في استطلاع أجري في اليوم الانتخابي للرئيس العام 2008، وهي النسبة نفسها للعام 2004.

ومع أن هذه النسبة تبدو ضئيلة جداً قياساً إلى عدد الناس «الغيريين»، أو الذين يحلو لهم أن يصفوا أنفسهم بـ«الطبيعيين»، مقابل «الشاذين» أو «المِثْليِّين»، إلا أن هذه الفئة بدأت منذ سنوات طويلة تحوز الاعتراف بها، وتحصل على حقوق مدنية متساوية في عدد كبير من دول العالم، منها حق الزواج وحق النفقة والإرث والرعاية الصحية والتبني.

وفي أحدث تطور على حقوقهم، حث الرئيس الأميركي باراك أوباما، في حزيران/يونيو الماضي، الكونغرس على منح الموظفين المِثْليِّين في الحكومة الامتيازات نفسها التي يتمتع بها الموظفون الطبيعيون في قانون الرعاية الصحية.

الحال إذاً، لم يعد غريباً أن تتقبّل المجتمعات الغربية وجود مسؤولين كبار، من مستوى وزراء، يشهرون مِثْليَّتهم كوزير الخارجية الألماني الحالي، غيدو فسترفيلة، أو وزير الدولة البريطاني لشؤون أوروبا، كريس براينت، الذي سيعقد قرانه على صديقه، غاريد غراني، نهاية هذا الشهر، ليصبح أول نائب بريطاني مِثْلي الجنس يعقد قرانه في مقر البرلمان.

رياح التغيير

ويبدو أن تأثير هذه التطورات بدأت تصل إلى العالم العربي. ففي لبنان أسس المِثْليِّيون جمعية «حلم» التي تعنى بالدفاع عن حقوقهم، وتمكنوا في العام 2007 من الحصول على ترخيص رسمي بالجمعية من وزارة الداخلية. ويصدر عن الجمعية اللبنانية مجلة شهرية تحمل اسم برا تناقش قضايا المِثْليِّين بكل جرأة وصراحة.

الحال ليس في هذه الصورة في بقية دول العالم العربي، وبخاصة الأردن، حيث ما زال مجتمعه المحافظ يعتبر «المِثْليّة» الجنسية ضرباً من «الكفر» أو، على الأقل، ضرباً من العيب، فيما يجرم القانون هذه الممارسة.

لكن الأمر لم يعد هكذا تماماً؛ فبعد ظهور المدونات والشبكات الاجتماعية على الإنترنت، أصبح ممكناً للمِثْليِّين الشباب التعبير عن حقيقة هويتهم الجنسية والتعارف، وتأسيس تجمعات يعبرون من خلالها عن اهتماماتهم وقضاياهم المشتركة.

على مدونته «حياة مثيرة»، كتب المدون الأردني المِثْلي الأشهر، الذي يعرف باسم «محمد»، يقول « المِثْليِّيون جنسياً في الأردن ظاهرة كانت مخفية نظراً لقيود اجتماعية كثيرة، واعتقد الآن أنها في تزايد حتى الظهور في بعض الأحيان إلى العلن».

لقد صار بالإمكان رصد مئات من هؤلاء المِثْليِّين على مواقع التعارف عبر شبكة الإنترنت. فعلى موقع منجم، أحد أكثر المواقع استخداماً عند المِثْليِّين جنسياً في الأردن، يوجد نحو 4300 مِثْلي، وكثير منهم صار يضع صورته الشخصية أو رقم هاتفه أو بريده الإلكتروني غير متهيب من أي رد فعل مجتمعي أو رسمي.

انتقال

من العالم الافتراضي، انتقلت هذه الفئة المهمشة، الممنوعة من التعبير عن نفسها، إلى عالم الواقع، الذي حدوده الجغرافية إحدى مناطق شارع الرينبو، بجبل عمان وبعض مقاهيه، وشاءت الصدف أن يكون «الرينبو» أو «قوس قزح» وهو اسم الشارع رمزاً للمثليين في العالم.

ويشاع على شبكة الإنترنت أن مقهى «بوكس أت كافية»، وبار «آر.جي.بي»، الواقع على الدوار الثالث، وأغلق منذ شهور، من أماكن تجمع هذه الفئة.

إذا كانت الدراسات الاجتماعية والعلمية أثبتت أن المِثْلية الجنسية، أو اشتهاء المماثل، لا تقتصر على فئة أو طبقة اجتماعية دون أخرى، أي أنها «ظاهرة عابرة للطبقات»، إلا أن أغلب المِثْليِّين الذين يعلنون عن أنفسهم صراحة في البلد، وخاصة على شبكة الإنترنت، أو في التجمعات، هم شباب وشابات يعملون في مهن أساسها صناعة الأفلام والإعلام والكتابة والفن وغيرها من المهن التي توصف بالمهن «الإبداعية». وفي أيار/مايو 2008، عرض في مسرح البلد أول فيلم يتناول موضوع المِثْليِّين جنسياً في الأردن، ويصور علاقة سحاقية بين طالبتين جامعيتين.

«مأسسة» التهميش

تمكن المِثْليِّيون جنسياً، إلى حد ما، من التعبير عن أنفسهم وإيجاد أماكن للتجمع بعيداً عن ملاحقة الشرطة أو تطفل الفضوليين. لكنهم لم يتمكنوا من ترخيص جمعية تعنى بالدفاع عن حقوقهم. وفي آذار/مارس 2009، تقدم ثلاثة شبان في العشرينيات من عمرهم إلى مديرية تنمية عمان الغربية في جبل الحسين، بطلب إنشاء جمعية متخصصة بالدفاع عن حقوق المِثْليِّين.

مدير تنمية عمان الغربية محمد إبداح استقبل الشبان الثلاثة الذين أوضحوا له أن الجمعية «تهدف إلى إيجاد تجمع لمِثْليِّي الجنس للدفاع عن حقوقهم ونشر الوعي الصحي بينهم عن طريق إعطاء محاضرات طبية عن كيفية الوقاية من الأمراض الجنسية، إضافة إلى تشجيعهم على لعب دور فاعل في المجتمع عن طريق توزيع المساعدات على الفقراء».

لكن إبداح أكد لراديو البلد آنذاك أنه لا يمكن ترخيص جمعية كهذه لأن «القوانين في المملكة الأردنية الهاشمية لا تسمح بوجود هيئات أو مؤسسات أو جمعيات تخدش الحياء العام وتتعارض مع شرائع الدين الإسلامي».

طلبُ ترخيص جمعية لحقوق المِثْليِّين رُفض رغم أنه لا يتعارض وأي من الشروط التي حددها قانون الجمعيات الجديد رقم 51 لسنة 2008 في الصيغة التي صدر بها، حيث أجاز في مادته السادسة لمجموعة من الأشخاص لا يقل عددهم عن 11 شخصاً أن يقدموا طلباً لتسجيل جمعية. وحظر القانون تسجيل الجمعيات الماسونية وأي جمعيات أخرى ذات غايات عنصرية، لكنه لم يتطرق إلى حظر جمعيات يؤسسهها مِثْليِّيون.

غير أن تعديلات أدخلت العام 2009 على قانون الجمعيات، استعاض أحدها عن حظر الجمعيات العنصرية بصيغة مطاطة أوسع تقييداً، نصت على حظر «أي جمعية لها غايات غير مشروعة أو تتعارض مع النظام العام في المملكة».

آدام، مِثْلِيّ جنسياً، يدافع عن فكرة الجمعية وأهميتها بالنسبة للمِثْليّين في الأردن، شارحاً لـے: «الجمعية تهدف للإرشاد والتوعية الطبية، والعمل على تقبل المجتمع لهم والدفاع عن حقوق هذه الفئة الواسعة التي تعاني من شتى أشكال الاضطهاد والمعاملة غير المحترمة والإساءة اللفظية بالكلمات البذيئة والصفات السيئة، يصفوننا بالمرضى نفسياً ونحن لسنا كذلك».

بدعة أم حالة؟

يسود اعتقاد كبير في المجتمعات العربية عموماً، والأردن كذلك، بأن الدفاع عن حقوق المِثْليِّين جنسياً هو بدعة غربية، لا تخلو أيضاً من محاولات ممارسة الضغط السياسي أو حتى تعميم نمط ثقافي واحد على العالم.

ويرى المفكر الأردني/الفلسطيني، جوزيف مسعد، في كتابه المِثْليّة العالمية والوطن العربي، أن الحركات الأوروبية تحاول أن تجعل من قضيتها وشعاراتها قضية عالمية عبر فرضها على كل ثقافات الشعوب الأخرى، حتى لو لم تكن هذه الشعوب تملك هذه القضايا أصلاً..

وإذا كان مسعد يفرق بين الميول الجنسية التي يقر بوجودها، وبين حركات دعم حقوق المِثْليِّين، فهو يرى أيضاً أن «حركات دعم حقوق الشواذ في العالم الإسلامي، صارت تنتج الشواذ جنسياً في أماكن لم يكن لهم فيها وجود».

وفي ظل غياب جمعية أو أي جهة أخرى محلية تعنى بحقوق المِثْليِّين، يقول آدم إنه سيتابع الاستعانة بجهات خارج الأردن للدفاع عن حقوقه. الاستعانة بجهات خارجية هي أبرز انتقادات الفريق الذي يتهم المِثْلية الجنسية بأنها «تقليد غربي»، بدعوى أن المِثْليِّين يريدون «اللجوء والسفر للعيش في الدول الغربية»، ويرى هؤلاء أن التقارير الدولية في هذا الخصوص تهدف إلى الضغط السياسي على الأردن.

يفيد تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن حقوق الإنسان في الأردن للعام 2007 أن «هناك تمييزاً ضد المِثْليِّين، وأن هناك تقارير عن أشخاص غادروا البلاد بسبب خوفهم من أن يتعرضوا للأذى من عائلاتهم لكونهم مِثْليين».

حملات أمنية

بعد هذه الإشارة المقتضبة، لم يرد في التقارير اللاحقة للخارجية الأميركية أي ذكر عن تمييز أو انتهاكات لحقوق المِثْليِّين في الأردن، رغم الحملة التي نفذتها الأجهزة الأمنية في تشرين الأول/أكتوبر 2008 واستهدفت «المِثْليِّين جنسياً»، أو كما وصفهم تقرير لصحيفة الغد بـ«الطنطات» أو «الجنس الثالث».

في الحملة الأولى من نوعها، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على أربعة أشخاص مِثْليّين، «بعد الإيقاع بهم بواسطة كمين خصص لهذه الغاية، وتأكد تجمعهم والتقاؤهم في إحدى الحدائق»، كما نقلت الصحيفة عن مصدر أمني.

المصدر الأمني «غير المعلوم» قال للصحيفة، إن «الشاذين جنسياً في تزايد مستمر، وإن الحملة الأمنية ستبقى قائمة إلى حين القضاء على كافة مظاهر الانحلال والرذيلة». وقدر المصدر أعداد المِثْليِّين في الأردن بـ 600 شخص.

التقرير الصحفي صوّر المِثْليِّين في الأردن كـ«ظاهرة سلبية» اقترنت بهم الأمراض المنقولة، وعرض تحليلات أخصائيي صحة جسدية ونفسية عن أسبابها وطرق الوقاية منها. والأهم أنه خلط بين المِثْليِّين عموماً وبين العاملين في الدعارة، الذين لا تختلف ظروفهم عن النساء العاملات في الدعارة.

هذا التقرير ما هو إلا مثال واحد على تقارير إعلامية عديدة، بما فيها من «أخصائيين» و»خبراء»، ترسم صوراً نمطية عن المِثْليِّين، وتسهم في تكريس رفض المجتمع لهم وتهميشهم.

ومن الأنشطة المناهضة للمِثْلية، إصدار جمعية العفاف كتاباً بعنوان قوم لوط في ثوب جديد، لمؤلفه عبد الحميد القضاة، نائب المراقب العام لجماعة الإخوان، يقدم لمحة تاريخية عن «الشذوذ» وأسبابه والعوامل التي تساعد على انتشاره والنتائج الخطيرة المترتبة عليه، إضافة إلى الحلول المقترحة لمعالجة هذه المشكلة والوقاية منها.

ويأتي هذا الإصدار، بحسب تقديم الجمعية له، ضمن الجهود الهادفة إلى «توعية الشباب ووقايتهم من الانحراف والشذوذ من خلال مشروع وقاية الشباب من الأمراض المنقولة جنسياً والإيدز».

وفي المجمل ترتدي الأصوات المناهضة للمِثْليين لبوساً توعوياً صحياً، وتنتهي في المحصلة إلى تأكيد رفض الدين والمجتمع لهؤلاء.

مجرد قبول

لا يطمح مِثْليو الأردن بأكثر من تقبل الناس لفكرة «اختلافهم». يقول المدون محمد في رده على تعليق ورد على مدونته، ومحمد طبيب تخرج حديثاً في إحدى جامعات المملكة: «أنا مِثْليّ وأفتخر بانتمائي لهذا الوطن الجميل الذي وسع كل أبنائه والكل يعيش فيه بمحبة وسلام وتقبل للاختلاف ... للأسف مجتمعنا الأردني محافظ ولا يسمح لنا بالظهور العلني ولكن صدقيني كمثليّ أردني كل ما أريده هو أن يقبلني المجتمع كما أنا، وأن لا ينظر إلي نظرة سلبية كلها رفض واحتقار. لا أريد أكثر من هذا ولا أدعو أحداً أن يصير مِثلياً».

أما «مِثْلية أردنية»، صاحبة مدونة «أنا ونفسي وأنا»، فتطالب إحدى النساء بمعرفة المِثْليِّين جنسياً أكثر، وترد على إحدى التعليقات، بقولها «والله يا تمارا القصة مش ظاهرة، ولا تقليد، ولا كفر. القصة قصة ميول مش أكتر».

غير متجانس

لا يمكن بحال اعتبار مجتمع المِثْليِّين جنسياً مجتمعاً متجانساً، وهناك خلط شديد في تعريف هذه الفئة، نظراً لأسباب عديدة. لكن ليس كل من يطلق على نفسه «مِثْلي جنس» قد يكون كذلك.

يلجأ بعض الناس عندنا إلى ممارسة «الجنس المِثْلي» بسبب الكبت أو عدم القدرة على إيجاد شريك جنسي مغاير، وقد يلجأ آخرون إلى هذه الممارسة لأسباب ليس لها علاقة بالميل الجنسي، أو لأسباب تتعلق بالفقر أو البحث عن المال السهل والسريع، وهؤلاء قد لا يكون لهم صلة مطلقاً بالمِثْلية الجنسية؛ ففي أماكن تجمع أخرى، صار أكثر أهل عمّان يعرفونها، مثل الشارع المؤدي إلى «المستشفى التخصصي» في الشميساني أو شارع المدينة الرياضية أو شارع «مكة»، عادة ما يشاهد عدد من «المتشبهين بالنساء»، يقفون على الأرصفة في انتظار أن يلتقطهم أحد الباحثين عن «المتعة المِثْلية». ويطلق هؤلاء على أنفسهم أسماء ممثلات مصريات شهيرات مثل «ليلى علوي» أو «هياتم». وهم يتقاضون أجوراً مرتفعة بأكثر مما تتقاضى النساء العاملات في هذه المهنة، لأسباب الندرة، والمتعة المِثلية الأكثر تحريماً.

لكن «المِثْليِّين الحقيقيين»، أو هكذا يطلقون على أنفسهم، يرفضون مثل هذه الممارسات ويعتبرونها مسيئة لهم، يعلق المدون محمد على حادثة وقعت في «شارع مكة»، حيث قامت فتاتان بتقبيل بعضهما أمام المارة، بقوله «بالتأكيد أنا أرفض ما حصل في شارع مكة، وأعتبره وقاحة من قبل الطرفين، فخطأ أن يلاحق الشباب الفتيات بسياراتهم وخطأ أن تقبل الفتاتان بعضهما أمام الآخرين، فهذا يخدش الحياء العام في الشارع».

مِثْليّو الجنس: مهمّشون يشقّون عصا الطاعة
 
01-Apr-2010
 
العدد 10