العدد 3 - العالم
 

في صيف العام 2003، وفيما كنت في زيارة إلى عمان بعد أسابيع عدّة أمضيتها في مهمة صحفية في العراق، وجدت نفسي مضطراً إلى معالجة عطب في أسناني، فأوصلتني إحدى الصديقات إلى طبيب أسنان تتعامل معه. وما هي إلاّ سويعات حتى كنت في حجرة الانتظار في عيادته قرب الدوار الثاني في جبل عمان، وحيّاني بحرارة - وكان، كما أذكر، قد أمضى جانباً من دراسته في الولايات المتحدة، ووجهني بعدها إلى كرسي مغطى بجلد صناعي في منتصف حجرة أقرب ما تكون إلى غرفة معيشة، مفروشة بأثاث وأجهزة تعود إلى ما كان شائعاً في أواسط السبعينيات. وعكف بعدها على إصلاح الضرس المعطوبة بمنتهى الكفاءة دون أن يستخدم بنج النوفوكين، وبعد أربعين دقيقة أو نحوها، كنت أغادر العيادة في أحسن حال.

كانت تكلفة العلاج كلها نحو أربعة عشر ديناراً، وذلك يعادل ما كنت أدفعه لإيقاف سيارتي في مرآب في بنسلفانيا أفينو، أو في الشارع 17 في وسط واشنطن، حيث عيادة طبيب الأسنان الذي أتعامل معه. وأقنعني هذا اللقاء، شأنه شأن أمثاله في الدول التي يشملها نظام التأمين الصحي الوطني (وبخاصة اليابان). أن نظام التأمين الصحي الأميركي، باهظ الكلفة ومتدني الكفاءة، ربما كان يتطلب دوراً أكثر اندفاعاً ونشاطاً من جانب الحكومة.

غنيّ عن البيان أن هذا الرأي لا يوافق عليه كل الأميركيين، فإذا لم تكونوا قد لاحظتم ذلك بأنفسكم، فإن أقلية عالية الصوت من المواطنين الأميركيين دأبوا في الآونة الأخيرة على تنظيم تظاهرات يرفعون فيها المشاعل والمعازق ضد مشروع الرئيس باراك أوباما لإقرار نظام للتأمين الطبي الشامل. وقد بلغ العداء الموجَّه للرئيس مستويات عنيفة، حتى إن المسؤولين عن إنفاذ القانون يعكفون الآن على استقصاء تهديدات بالموت موجهة له ولأنصاره في الكونغرس، وقد شُنقت دُمى تشبه أوباما، وشُبّه بهتلر، واتُّهم بأنه ماركسي. والأدهى من ذلك أن مزاعم راجت بأن خطة أوباما تنادي بإباحة الموت الرحيم الاختياري لشطب المسنين والضعاف من سجلات الرواتب التي تقدمها الرعاية الصحية في الدولة. ومع أن مثل هذه المزاعم هراء محض، فإنّ سارة بيلين، الحاكمة المتخبطة السابقة لولاية الآسكا، التي رُشحت لمنصب نائب الرئيس في حملة جون ماكين الفاشلة في انتخابات الرئاسة العام الماضي، قد صبّت الزيت على النار عندما أشارت أكثر من مرة إلى «مجالس الموت» التي سيقيمها أوباما.

لقد طرح المؤرخ أرنولد تويني نظرية مفادها أن الحضارات تتطلب وجود تهديد خارجي يدعوها إلى الالتفاف حول قياداتها، ووضع سلفُ أوباما هذه النظرية موضع التنفيذ، فعززت موقعه في ا لحكم لفترتين رئاسيتين، وكان الإرهاب الإسلامي، على أيّة حال، مخيباً للآمال كتهديد دائم مقيم، فاضطر الغوغائيون في أميركا - وهم قطّاع الطرق والمعلّقون اليمينيون ورجال الدين المتطرفون - إلى توجيه أنظارهم إلى الداخل، وحيث إنهم لم يجدوا في الداخل غير قضية تافهة كهذه، وهي: إصلاح نظام الرعاية الصحية، فإنّ في ذلك دليلاً على القصور وقلّة الحيلة في أوساطهم.

لقد أفلح أعداء أوباما، على الأقل، في فرض حَجْر على سلطة الحكومة التنفيذية بإرغامه على تركيز كل طاقاته على مسألة الرعاية الصحية، أما الأولويات الأخرى، التي تراوح بين الاقتصاد والسلام في الشرق الأوسط، فقد وُضعت على الرفّ، فيما انشغل هو في التصدي للتحالف الكبير المبرمَ بين غلاة المتحزّبين وجمهرة الجهَلَة إلى حدّ يثير الفزع. وفي غمرة المناوشات التي تدور رحاها في المجالس البلدية، والتُّهم التي يلصقها هؤلاء بأوباما بأنه نازي أو شيوعي - مع أنهم قد لا يدركون الفرق بينهما - فإن المرء ربما يشهد الآن بوادر الأفول في الزعامة الأميركية للعالم. وفي الذاكرة أن ريتشارد نيكسون استطاع، في ذروة أزمة «ووترغيت»، أن يرعى إبرام هدنة في الحرب العربية الإسرائيلية العام 1973، أما اليوم، فإنّ رئيس الولايات المتحدة الذي يتمتع بالشعبية، وبالأغلبية في مجلسي الكونغرس كليهما، غارق في مساجلات غثّة حول ما إذا كان على الحكومة أن تبادر إلى إصلاح نظام صحي فاشل. وجُمِّدت في تلك الأثناء، إلى أجل غير مسمّى، مسؤوليات واشنطن تجاه الشرق الأوسط، والتحديات التي تطرحها كوريا الشمالية وإيران، وعلاقة أميركا المتطورة والحرجة مع الصين، وتحوّلت الحالة الأميركية من اختلال وظيفي إلى عُسر في الفهم والتمييز. ترى لماذا حدث ذلك؟

لقد لاحظ الصحفي الأميركي المعروف «إدوارد مورو»، ذات يوم، أن الأميركيين في عشرينيات القرن الماضي كانوا يتمتعون بأكثر مصادر الأخبار تنوعاً ووفرة عن أي شعب في التاريخ، بيد أن ذلك لم يجعلهم مطّلعين على الأمور اطلاعاً كافياً. وقد يتساءل المرء عما يمكن أن يقوله مورو بهذا الصدد اليوم، فلا يقتصر الأمر على أن لدينا الآن قدراً أوفر من المادة الإعلامية من حيث محتواها وأعداد مزوديها - يمكن أن نضيف تويتر الآن إلى قائمة مصادر الإلهاء الخالية من المضمون - بل إن الأخبار تقدِّم لنا في وقتها على الفور، وعلى مدى 24 ساعة في اليوم. ويعني ذلك أن انتشار المنافذ الإعلامية والعرض الفوري، وعلى قدم المساواة، لما تقدمه جميع مصادر الأخبار التي كانت متراتبة ذات يوم، سيجعل كل من يمتلك هاتفاً جوالاً أو جهاز ويب كام منبعاً تتدفق منه المعلومات لمن يشاء، وتوفر هذه الفوضى الفكرية أرضاً خصبة للهجائيين، ومثيري الشغب، والإباحيين السياسيين، إنها تفتح سوقاً، لا للأفكار والانشقاق المتبصر - فهل ثمة متعة في ذلك؟ - بل للانجذاب والانغماس الشبقي في كل ما هو خلافيّ ومثير.

لقد قصر فريق السيد أوباما السياسي - وهم من المحنّكين في العادة - في أداء مهماتهم في ما يتعلق بالرعاية الصحية، لقد ترك الرئيس للكونغرس وضع اللائحة القانونية للمشروع بدلاً من أن يكتبها بنفسه، مراعياً بذلك الغريزة الديمقراطية التي شحنت المشروع بمبادرات ليبرالية باهظة التكلفة، وفشل هو ومستشاروه عندما أغفلوا أن خطة الرعاية الصحية التي عرضوها ستكون عرضة للهجوم من جانب حزب جمهوري ما زال يحاول التعافي بعد أدائه المزري في الانتخابات الوطنية الخريف الماضي. لقد كان على البيت الأبيض أن يتوقع محاولة الانقضاض تلك من جانب السياسيين المعوقين. غير أن فوضى السّجال حول الرعاية الصحية لا تتمحور حول مواطن ذلك الرئيس أو حتى حول جشع النزعة المحافظة. إنها تدور حول الآثار المتلفة التي تخلفها على النظام الديمقراطي الجمهوري عجلة الأخبار الدوّارة ليلاً ونهاراً والمنتفعون من تزويدها بمصادر المعلومات الأساسية.

في الخطاب الشهير الذي ألقاه «إدوارد مورو» في اجتماع جمعية مديري أخبار الإذاعة والتلفاز في 15 تشرين الأول/أكتوبر العام 1958، أشار إلى التلفاز بوصفه أداة للتعليم، وللتنوير والإلهام، مؤكداً أن التلفاز «لن يستطيع أن يفعل ذلك إلاّ إلى الحد الذي يعتزم البشر استخدامه فيه لتحقيق هذه الغايات... وبغير ذلك، فإنّه لن يكون أكثر من صندوق محشو بالأضواء والأسلاك».

السموم التي نفثها الغلاة اليمينيون وتجرّعتها وأعادت بثها القنوات الإعلامية الكبرى في أميركا، حوّلت الصندوق الذي أشار إليه «مورو» إلى قنبلة موقوتة على جانب الطريق. وذلك ما لا تحتاجه الزعامة الأميركية.

صندوق أسلاك أم قنبلة موقوتة
 
01-Sep-2009
 
العدد 3