العدد 3 - أفق
 

- العلمنة secularization عملية تمفصل وتمايز، لها تجلّيات عديدة، بين المقدس والدنيوي جارية في تاريخ المجتمع والوعي الإنساني.

- الأسطورة تجمع في وحدة واحدة علمَ المقدس وعالم المدنس. لولا الانفصال النسبي بين المقدس والدنيوي في الوعي لما احتاجت البشرية إلى وسيط بينهما هو الدين.

- الدين هو عقيدة وعبادة، أي مجموعة وسائط مع المقدس، منها المؤسسة الدينية ورجال الدين الذين يكفّون عن لعب دور الوساطة مع الله في بعض الديانات التوحيدية، ويصبحون وسطاء مع النص المقدس.

- الديانات التوحيدية أكثر تعلْمُناً من الديانات الوثنية، لوضوح التمفصل بن المقدس والدنيوي، بين الإلهي والزمني. ولذلك فهي الأكثر ميلاً لفرض القداسة.

- تتفاوت الديانات التوحيدية في ما بينها بدرجة الفصل بين المقدس والدنيوي.

- تتفاوت أنماط التدين ضمن الدين نفسه بدرجة تحمِّلها للفصل بين الله والعالم، ودرجة حاجتها إلى الوسائط. ومن هنا استمرار بعض التقاليد الوافدة من الديانات السابقة في التديّن والثقافة الشعبيين. لأن انتشار السحر والشفاعات والكرامات، يعني أن المادة ما زالت مسكونة بالأرواح، وأن التديّن الشعبي يرفض الفصل الحاد بين الله والعالم. فيبحث الوعي الشعبي عن قنوات وأدوات اتصال مع المقدس.

- يقصر ماكس فيبر علمنة الوعي الحديث على نزع السحر من العالم، وبالتالي إمكانية فهمه بموجب قوانينه الجافة. لكن علمنة المجتمع تعني تمايز الوظائف، إخراج الدين من مجال بعد آخر، تحوّل الدين إلى مجال قابل للتحديد، بالمعنى الحديث.

- لا بد من الحديث عن علمنة كل مجال على حدة، عبر فهمٍ مفصّل لمجريات التاريخ. هكذا يتم فصل الفلسفة تدريجياً عن الفقه واللاهوت، وعلمنة العلوم الطبيعية، وبعدها العلوم الاجتماعية، ثم علمنة السياسة، أي محاولة فهمها ضمن قوانينها هي.

- لا شك أن المتدينين ورجال الدين قبل قرون، ومن الديانات كافة، فسروا الكون والطبيعة بموجب نصوص دينية متوارثة لا أكثر. لكن العلوم في يومنا مقبولة من غالبية رجال الدين من الديانات كافة. وهذا يعني تعرّض وعيهم تدريجياً، لعملية علمنة في مجالات محددة. ليست عملية العلمنة شأن العلمانيين وحدهم. وأصلاً، “العلمانية” و”العلمانيون”، مفاهيم حديثة لم تكن قائمة (تاريخياً، كان مصطلح الإلحاد قائماً قبل العلمانية، ليس بقرون فقط، بل بعصور).

- كل الديانات شرائع. ولا فرق في البداية بين الدين والشريعة. الدين يفهم ذاته بدايةً كشريعة. وتختلف نصوص وعقائد الديانات التوحيدية، في درجة تضمّن عقائدها لتعاليم متعلقة بإدارة المجتمع والحياة الدنيوية بما يتجاوز الأخلاق الدينية والعبادات.

- كل الديانات التوحيدية والشرائع تعرضت لإغراء استخدام الدولة لغرض تنفيذ تعاليم الدين ونشره، أو لإنفاذ مذهب ديني بعينه ضد مذاهب أخرى.

- علمنة الدولة والسياسة ناجمة عن قيامها حول مفهوم السلطة والسيطرة. فالدولة تتعلمن كلما وعت لوظيفتها. وتتخذ علمنتها شكلَ إخضاع الدين لها بدل إخضاعها هي للدين (شكل علمنة الدولة الأول لا يعني إذن تحييدها في الشأن الديني).

- استخدام الدين سياسياً يؤدي إلى تحويل الدين إلى أيديولوجية دولة، أي يعلمن الدين ويسيّسه، أو يخرج الدين من السياسة، إذ يفهمها في هذه المرحلة بعضُ المتدينين كإفساد للدين.

- لم تجرِ في أيّ بلد عملية فصل الدين عن الدولة. فتقييد نفوذ الكنيسة الكاثوليكية من جانب الملكيات المطلقة في القرنين السادس والسابع عشر، أدى في أوروبا إلى قيام كنائس وطنية أكثر ارتباطاً بالدولة، أو أخضع الكنيسة الكاثوليكية لسلطة الملك كما في فرنسا.

- ارتبط مطلب تحييد الدولة بشأن الصراع بين المذاهب بآثار الحروب الدينية الطويلة، وبتطور العلوم والصناعة، وبنشوء الفكر الليبرالي والديمقراطي، وبالفكرة القومية. وتمت عملية التحييد تدريجياً، فقد ارتبط بعض المذاهب والكنائس بالشعور القومي الحديث نفسه، وارتبط بعض المذاهب حتى بالبورجوازية الصاعدة. ولم يتم الفصل بين الكنيسة والدولة في أي بلد بقرار واعٍ وبقوانين، إلا منذ بداية القرن العشرين. إذ تم قانوناً فصلُ الكنيسة عن الدولة في فرنسا، على سبيل المثال، في قانون العام 1905.

- العلمانية secularism موقفٌ أيديولوجي، يتضمن موقفاً سلبياً من وجود الدين ليس في الدولة فقط، بل في الحيز العام بمجمله. أي أن العلمانية بوصفها أيديولوجية لا تكتفي بتحييد الدولة في الشأن الديني، لكنها ترغب بإقصائه عموماً من الحيز العام، فهي ترى أن المجتمع أفضل دون دين.

- باعتبارها أيديولوجية لم يتم تبنّيها رسمياً، بما في ذلك في المناهج التدريسية، سوى في فرنسا. وقد تبعتها الثورة الكمالية في تركيا. وتشهد تركيا عملية التخلص من العلمانية الصدامية مع الحفاظ عليها في الدولة.

- غالبية الدول الديمقراطية لا تتخذ موقفا سلبياً من وجود الدين في الحيز العام، فهي تكتفي بتحييد الدولة في الشأن الديني، وخصخصة قرار الفرد الديني.

- يحاول بعض التيارات السياسية في مراحل الأزمات تحويل الموقف العلماني الصدامي إلى أيديولوجية متكاملة. وهو ليس كذلك. ومؤخراً إبان أزمة اليسار وجدنا أن الكثير من اليسار يقصر يساريته على العلمانية. وواقع الأمر أنه يوجد يمين علماني، ويسار علماني. بل يمكن تصور متدينين أكثر يسارية من كثير من العلمانيين، بمعنى يتبنون مواقف يسارية في قضايا العدالة الاجتماعية.

- أما من يعدّ الشيوعية نموذجاً للعلمانية فهو مخطئ، لأن الشيوعية فكرة إلحادية، تتبنى الدولةُ في حالتها أيديولوجيةً معادية للدين.

- العلمانية ليست هي اليسار، ولا اليسار هو العلمانية. هنالك تقاطعات بين الفكرتين، لكن ليس هناك تطابق بينهما بأيّ معنى.

أطروحات حول العلمنة والعلمانية والعلمانيين
 
01-Sep-2009
 
العدد 3