العدد 8 - الملف
 

صباح الجمعة، رفضت زوجتي مرافقتي في مشوار سريع لوسط عمّان، وقالت لي بما معناه: «لا أريد أن أكون السيدة الوحيدة وسط بحر من الرجال». أعترف أنني فوجئت بملاحظتها، مثلما فوجئت بأن موقفها له ما يبرره، لأنني بعد ساعة من التجوال، لم أرَ سوى سيدتين؛ واحدة برفقة طفل، وأخرى برفقة زوجها وأطفال.

هذا المشهد مأساوي، ويعكس أين تتجه الأمور في وسط البلد. وأنا كمواطن، رغم أن وسط عمان يحتضن بالنسبة لي أجمل ذكريات طفولتي، أشعر بالاختناق في كل مرة أضطر فيها للذهاب هناك، سواء للتسوق أو التنقل أو ما يتصل بالعمل، فهذا الوسط لم يعد «وسَطَنا»، ولم يعد يجمعه شيء بـ«قلب عمان النابض»، حتى عندما نقرر تناول وجبة فول في وقتٍ ما من الليل عند «هاشم»، ربما بدافعٍ من الحنين الفولكلوري!

«الوسط» لم يعد مقبولاً أن يستمر على هذا النحو، ويجب أن تكثّف الأمانة جهودها للإسراع بتنفيذ مشروعها الرامي إلى إعادة تأهيله.

وأكاد أجزم أن ما مرّ به وسط عمّان من تغيرات سلبية لم يكن استثناءً مقارنة مع ما مرت به عواصم كثيرة في العالم، في الفترة نفسها. فالتطور الرأسمالي المتسارع في العقود الأخيرة من القرن العشرين، رافقه توسع في إنشاء الأسواق الكبيرة التي يجد فيها المتسوق كل شيء تقريباً، من الإبرة إلى السيارة، وأدى هذا التوسع في الأسواق خارج حدود المدن أو بعيداً عن مراكزها، إلى هجر تدريجي لمراكز المدن التي باتت تعاني من مظاهر يماثلها ما يعاني منه وسطُ عمّان.

لكن السلطات المحلية والبلديات المعنية، تنبهت لما لحق بمراكز مدنها من أضرار، فنهضت بمهمة إعادة تأهيلها وتحديثها، وراعت هذه المرّة الاحتياجات المتجددة للسكان، ومن ضمنها توفير فضاءات ومساحات خضراء، ومناطق مخصصة للمشاة، واستعادت هذه المراكز ألقها بعودة النشاط التجاري والخدماتي إليها، وتحولت من جديد إلى نقاط جذب للسكن والسياحة.

من هنا، فإن مشروع إعادة تأهيل وسط عمّان الذي تنفذه أمانة عمان الكبرى، مشروع وادي عمّان، يستحق كل الدعم وينبغي أن ينجح، إلا إذا كان يجب تمجيد التخلُّف، وهذا لا ينتقص من حق أحد في انتقاد هذا المشروع الكبير بهدف تطويره، أو انتقاد أي جانب أو تفصيل معيّن فيه، لكنْ هناك فرق بين النقد الذي يستهدف تصويب خلل، وبين النقد الذي يدعو ضمناً إلى إبقاء كل شيء على حاله، أو إدخال تحسينات طفيفة هنا وهناك لا تُغيّر في المضامين شيئاً.

من منظور تنموي، أجد أن كثيراً من المراقبين أو أصحاب الرأي يتخذون مواقف من قضايا ذات صلة بالتطوير الحضري دون مراعاة متطلبات التنمية المستدامة التي تعني أن علينا أن نورث للأجيال القادمة فرصاً وموارد وليس أزمات، وهذا هو الذي يبرر في كثير من الأحيان التوسع في الإنفاق على مشاريع كبرى حتى وإن كانت ذات تكلفة عالية، لأن عدم إنجازها في الوقت المناسب سيتطلب إنفاقاً مضاعفاً في وقت لاحق.

من هذا المنطلق، كنت أعتقد أن إقامة مبنى أمانة عمان ومركز الحسين الثقافي في رأس العين، كان عملاً مهماً يستشرف المستقبل، لا بل رأيت فيه مقدمة نحو إحياء وسط المدينة. ومن هذا المنطلق أيضاً كنت أعتقد منذ زمنٍ بضرورة إعادة ترميم وتأهيل جبل القلعة، ونشرت ذلك في مقالة لي في صحيفة الرأي منذ سنوات عديدة. وأنا سعيد اليوم لإنجاز أمانة عمان مشروع إعادة تأهيل جبل القلعة ضمن خطتها لإحياء وسط المدينة.

في الأردن، أكثر من أي بلد آخر، يتخذ إعلاميون وسياسيون موقفاً من قضايا التنمية، على خلفية هواجس تتصل بالصراع العربي الإسرائيلي. ومن الأمثلة البعيدة والقريبة على ذلك: في العام 1997، اشتملت «حزمة الأمان الاجتماعي» على برامج خاصة بالمخيمات والمناطق المحيطة بها، وراحت تعليقات صحفية تعدّ هذا المشروع الذي نُفّذ من ضمنه آنذاك فتح شارع الأردن الذي اخترق مخيم الحسين، بمثابة مقدمة لتوطين اللاجئين. لقد كتبت بهذا الصدد مستنكراً تحويل مشاريع تحسين البنية التحتية للمخيمات إلى «فزاعة سياسية من مخاطر الوطن البديل». وها قد مرّ وقت كافٍ للاستدلال على أن تلك الهواجس ليس لها ما يبررها.

أما المثال القريب، فيتعلق بمشروع الأقاليم التنموية الذي كُلّفت لجنة ملكية بإعداده العام 2005، إذ أثارت مواقف وتعليقات صحفية بشأنه هواجسَ تفترض أنه جزء من مخطط لتصفية القضية الفلسطينية، وإلحاق الضفة الغربية بالأردن. وهدأت التأويلات حينما تم إعادة النظر في آلية تطبيق المشروع من خلال المحافظة كوحدة تنموية بدلاً للإقليم الذي يضم محافظات عدة، رغم أن جوهر المشروع في كلا الحالتين، «اللامركزية»، لم يتغير. أما الأهم من ذلك، فهو أن الزمن يثبت مرة أخرى أن أصحاب هذه الهواجس يصنعون عوالم لا أساس لها.

إن تطوير العاصمة عمّان بأفق عصري، يستثير غيرَ قليل من «المقاومة»، على خلفية أن هذا ليس من «الأولويات»، أو أنه في عُرْفِ من امتهنوا «المعارضة» مؤامرةٌ لتصفية القضية الفلسطينية، وهؤلاء لا يتوانون عن إطلاق تهمة «الليبرالية» على كل تنمية حداثية للمدينة.

الليبراليون الحقيقيون في المجتمع لديهم ما يفاخرون به، ويدافعون عنه، لكنهم يتهيبون أكثر من اللازم من الصوت الشعبوي العالي.

الليبراليون الحقيقيون لديهم ما يفاخرون به - عمّان بين التحديث وتمجيد التخلف
 
01-Feb-2010
 
العدد 8