العدد 3 - الملف
 

شر السياسة ما يضحك. بالفعل، من أكثر النكت عمقاً وتأثيراً هي تلك التي تسخر من الواقع السياسي، بخاصة في مجتمعات مغلقة بسقوف منخفضة.

في الذاكرة العديد من المواقف المضحكة أو النكات الساخرة، أُرشف بعضها في كتب، فيما تنتقل غالبيتها على شفاه الناس بالتوارث من جيل إلى آخر.

«هاشمي.. هاشمي»، دندنها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عقب استفاقته من التخدير ونجاح عملية دقيقة خلف جمجمته في مدينة الحسين الطبّية مطلع العقد الماضي. المفارقة جاءت من ترديد عرفات للأنشودة الوطنية الأردنية التي تتغنى بالراحل الحسين بن طلال، وفي خلفية المشهد خلافات بين الرجلين، منافسة وتحسّس فلسطيني في ذلك الوقت مما كان يعدّه عرفات محاولات أردنية للهيمنة مجدداً على الضفة الغربية.

سرت تلك النكتة في البلد، وباتت مثار تندر النخب السياسية. على أن أحد الأطباء الذين عالجوا عرفات وقتذاك، أعلمَ كاتبَ هذه السطور شريطة عدم الإفصاح عن اسمه، أنه سمع عرفات يردّدها على سرير الشفاء.

حرج حالة عرفات آنذاك، التي تفاقمت حين تجلطت بقعة دم قرب «دماغه» عقب وقوع طائرة كانت تقلّه العام 1992 فوق الصحراء الليبية، دفعت الحسين لتجاوز البروتوكول الملكي. إذ خرج الملك مسرعاً فجر ذلك اليوم من دون حرس. وحين توقف أمام إشارة مرور حمراء في طريقه للاطمئنان على عرفات، نزل سائق تكسي من سيارته ونقر بحدّة على شبّاك سيارة الملك، ليقول له بنبرة حازمة: «لا تخرج وحدك من دون حرس مرة أخرى»، على ما تورد الصحفية رندا حبيب في كتابها الحسين: أباً وابناً.

النكتةُ بعامّة، تطال المناخ السياسي وطريقة التوزير في الأردن أيضاً.

وزير في حكومة عبد السلام المجالي منتصف العقد الماضي، هاتفَ والده متلهفاً بعد أن اختير ضمن التشكيلة الحكومية. الرواية المنتشرة تفيد بأن الوزير السابق قال عبر الهاتف: «يابا باركلي، أصبحت وزيراً»، فسأله الوالد في الغربة: «مبروك، لكن في أيّ بلد؟».

كان السياسيون الأردنيون يرددون عشرات النكات المتصلة بقيادات دول مجاورة.

مسؤول سابق عملَ برفقة الملك الراحل، استسرّ لكاتب هذه السطور قصة حدثت للحسين في بغداد خلال ثمانينيات القرن الماضي، تعكس حجم تعظيم القائد في تلك العاصمة.

وفي التفاصيل، أن الملك الحسين والرئيس صدّام حسين جلسا على شاطئ دجلة لاصطياد السمك. استغرب الملك أن سنارته لا تلتقط أسماكاً، بينما انهمك صدام بجمع ثمار النهر في سلّة بجانبه. وأدرك الملك كنه القصة حين همس أحد مرافقيه في أذنه بأن غطاسين يشبكون سمكاً في سنارة صدام.

من النكات الدارجة في الأردن عن صدام، الذي حكم العراق رسمياً بقبضة من حديد بين العامين 1979 و2003، أن زوجته امتدحت مدرّساً خصوصياً لإحدى بناته، ورجته أن يطلب من المدرّس أن يواظب على تدريسها. أعطى صدام اسم المدرّس إلى حاشيته، ثم نسي الأمر وسط أشغاله المتراكمة. وحين استفسر من رجاله عمّا حلّ بالمدرّس، بناء على تذكير زوجته، أجابوه بزهو: «سيدي، أحضرناه، حققنا معه ثم اعترف فأعدمناه».

تلك النكتة السوداوية تختزل نظرة الناس إلى حكم الرجل الأوحد وغياب مؤسسات الدولة. وقد رُويت في زمن كل دكتاتور حكمَ العراق منذ عبد الكريم قاسم.

في الإجمال، تعكس السخرية السوداء في الأردن، ودول الجوار أيضاً، حالة التذمر في مناخات سياسية غير صحّية.

النكات السياسية تلعب على التناقضات
 
01-Sep-2009
 
العدد 3